الفخ الأكاديمي: أين ينتهي التفسير السوسيولوجي ويبدأ التبرير الجنائي؟ الحلقة الرابعة
من الهامش إلى المسار: تفكيك الجنوح والهوية والاندماج لدى الشباب المهاجر في أوروبا
الموسم الأول: «من الضحية إلى الفاعل: تفكيك أسطورة البراءة المطلقة»
لؤي نزيه الضاهر
14.10.2026

التفسير السوسيولوجي والتبرير الجنائي – الفخ الأكاديمي – DAMI Institute
صورة رمزية تقارن بين التفسير السوسيولوجي للجريمة والتبرير الجنائي، ضمن الحلقة الرابعة من سلسلة «من الهامش إلى المسار» الصادرة عن DAMI Institute.

مقدمة
هذا المقال جزء من سلسلة «من الهامش إلى المسار: تفكيك الجنوح والهوية والاندماج لدى الشباب المهاجر في أوروبا»، وهي سلسلة تحليلية تسعى إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين الهجرة، والهوية، والتهميش، والجنوح، من خلال قراءة سوسيولوجية تتجاوز التفسيرات الاختزالية، وتحاول فهم كيف تتشكل مسارات الشباب بين الانحراف والصمود داخل المجتمعات الأوروبية المعاصرة.

الافتتاحية الفكرية
منذ عقود طويلة، سعت العلوم الاجتماعية والجنائية إلى تشريح الظروف البنيوية التي تدفع بعض الشباب نحو دوامات الجريمة والعنف والسلوكيات الخطرة في الهامش الأوروبي. وكان الهدف الإبستمولوجي المعلن مشروعاً بالكامل: فهم جذور الظاهرة سوسيولوجياً من أجل صياغة سياسات وقائية كفؤة.
لكن مع مرور الوقت، بدأ خلل هادئ وخبيث يتسلل إلى بعض الخطابات الأكاديمية والإعلامية؛ إذ تحولت أدوات التفسير، في بعض توظيفاتها، من وسائل للفهم العلمي إلى أدوات لإعادة توزيع المسؤولية الأخلاقية، وصولاً إلى إعفاء الجناة من تبعات أفعالهم. في هذه السرديات المدجنة، تحولت «عوامل الخطر» إلى أعذار حتمية؛ فصار الفقر تفسيراً مطلقاً، والتهميش صك براءة مكتمل، والصدمة الاجتماعية قدراً لا فكاك منه.
وفي هذه القراءة، اختفى «الفاعل الاجتماعي» الذي يتحمل كلفة خياراته، ليظهر مكانه مراهق يرتكب أفعالاً عنيفة وخطرة بوصفه «ضحية مطلقة ومستسلمة» لا يد لها في مصيرها.
والمفارقة أن الخطاب الذي يدّعي الدفاع عن هذا المراهق قد ينتهي إلى تجريده من فاعليته الإنسانية، في حين تتراجع إلى الهامش حقوق الضحايا الذين دفعوا ثمن أفعاله.
هنا يبرز الفخ الأكاديمي الذي يضعه معهد DAMI موضع التفكيك:
أين ينتهي التفسير السوسيولوجي الملتزم بسيادة القانون، وأين يبدأ التبرير الجنائي الذي يقوّض العقد الاجتماعي؟

التحليل البنيوي
لا شك أن الأدبيات السوسيولوجية الرصينة حول الجريمة والهجرة تشير إلى حزمة معقدة من عوامل الخطر (Risk Factors)، كالحرمان النسبي، والفقر المستمر، والتسرب المدرسي، وضغوط التثاقف.
وترصد تقارير هيئة الإحصاء النرويجية (Statistisk sentralbyrå – SSB) وجود تمثيل إحصائي زائد لبعض الفئات ذات الخلفيات المهاجرة ضمن الجرائم المسجلة. ففي تقريرها المنشور في ديسمبر 2024 حول الاتهامات والأشخاص المتهمين وفق خلفية الهجرة، أظهرت بيانات الفترة 2020–2023 ارتفاع معدلات الاتهامات المسجلة لدى بعض الفئات، ولا سيما بين الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، مع تفاوت ملحوظ بحسب الخلفية القطرية والعمر والجنس.
لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تبرر اختزال الأفراد في انتماءاتهم، كما أن الاتهام المسجل لا يساوي حكماً قضائياً بالإدانة.
ويبدأ الخلل الإبستمولوجي القاتل عندما تقع بعض الخطابات البنيوية التفسيرية في فخ تحويل المؤشرات الإحصائية الاحتمالية إلى «قوانين حتمية مكبّلة للإرادة».
إن تحديد علاقة إحصائية بين عامل خطر والسلوك الجرمي لا يعني صياغة مصير جبري للفرد، والاحتمال الإحصائي لا يمثل إجباراً ميكانيكياً؛ وإلا لكانت النتيجة الحتمية تقتضي تحول كل مراهق واجه الفقر أو التهميش أو صدمة اللجوء إلى مجرم عنيف بصورة آلية.
وفي سياق الأبحاث المتعلقة بالعلاقة بين الهجرة والجريمة (The Crime–Immigration Nexus)، تُظهر دراسة Andersen & Skardhamar (2012)، المعنونة Age at Immigration and Crime: Findings for Male Immigrants in Norway، أن العلاقة بين سن الوصول إلى النرويج والجريمة المسجلة أكثر تعقيداً من أن تُختزل في عامل واحد؛ إذ تتداخل فيها متغيرات العمر عند الهجرة ومدة الإقامة والعمر اللاحق للفرد.
وتؤكد هذه النتائج ضرورة الحذر من التفسيرات الخطية التي تختزل الجنوح في الخلفية المهاجرة أو الظروف البنيوية وحدها.
والأغلبية الساحقة من الشباب الذين يواجهون هذه العوامل لا تتحول إلى الجريمة، بل تواصل حياتها ضمن المسارات القانونية والاجتماعية المشروعة، مما يسقط فكرة «جبرية الظروف» ويحيلنا إلى ميكانيكا التفاعل الفردي مع البنية.

التفكيك التفاعلي
هنا يفرض المنهج التفكيكي الذي يتبناه DAMI ضرورة الفصل الحاسم والبارد بين «فهم السلوك الجنائي» و«إعفاء مرتكبه من المسؤولية».
إن تشريح الشروط البنيوية المحيطة بالفرد لا يعني بأي حال من الأحوال تجريده من مسؤوليته الأخلاقية والقانونية وفق مقتضيات الأهلية والسن؛ فالمراهق الذي يقرر الانضمام إلى مجموعات الشارع العنيفة، أو يتبنى الجنوح استراتيجية نفعية لانتزاع النفوذ والمكانة السريعة، لا يتحرك بالضرورة كآلة مبرمجة أو ككائن مسلوب الإرادة تحت وطأة الفقر.
إنه يتحرك داخل مساحة الفاعلية المقيدة (Bounded Agency)؛ فالظروف البنيوية وعجز المؤسسات الرعائية عن تأصيل المعنى قد يضغطان عليه، ويحدّان من نطاق خياراته المشروعة المتاحة، ويرفعان احتمالية اتخاذه قرارات خطرة. لكن هذه البنية لا تكتب القرار النهائي نيابة عنه، ولا تسحب منه بالضرورة لحظة الاختيار الموضعي.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات لا يجوز دمجها في خطاب واحد: تفسير الظروف التي أحاطت بالفعل، والحكم الأخلاقي على الفعل ونتائجه، وتحديد المسؤولية الجنائية وفق القانون. فالتفسير لا يمنح البراءة، كما أن تحديد المسؤولية القانونية يخضع لشروط لا يقررها التحليل السوسيولوجي وحده.
إن الخطاب الأكاديمي المدجن، عندما يحوّل «عوامل الخطر» إلى تبريرات اعتذارية، يمارس، من حيث لا يدري، إساءة إبستمولوجية بالغة بحق الشباب المهاجرين؛ إذ يجسدهم في قالب كائنات عاجزة وفاقدة للأهلية الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية، مبرراً خروجهم على العقد الاجتماعي، في حين أن الجنوح قد يمثل خياراً إرادياً مقيداً، يتملص فيه صاحبه من كلفة الاستثمار الطويل في القنوات المشروعة المتاحة له في دولة الرفاه، سعياً وراء مكاسب أسرع من النفوذ والمكانة والاعتراف.
وهذه ليست دعوة إلى تجاهل الظروف أو إنكار تفاوت الفرص، بل رفض لتحويلها إلى تفسير يبتلع الإرادة الفردية ويعفي صاحب الفعل من تبعاته.
والأخطر أن الإفراط في تفسير الجاني قد يتحول إلى شكل من أشكال التهميش المعرفي للضحية؛ إذ تنشغل بعض الخطابات بتفكيك تاريخ المعتدي الاجتماعي، بينما يتراجع الاهتمام بمن وقع عليه الاعتداء، وما تكبده من أذى وخوف وفقدان للأمان.
والمفارقة أن ضحايا الجنوح في الأحياء المهمشة قد ينتمون إلى الفئات الاجتماعية والمهاجرة نفسها التي يدّعي الخطاب الاعتذاري الدفاع عنها.
فكيف يصبح الدفاع عن المهمشين مشروعاً حين ينتهي إلى تبرير الاعتداء على مهمشين آخرين؟
إن الاعتراف بمعاناة الفرد السابقة لا يمنحه حق صناعة معاناة جديدة للآخرين، كما أن إخفاق المؤسسات في الوقاية لا يلغي مسؤولية من يرتكب العنف عن فعله، ضمن حدود أهليته القانونية.
إن المساواة الحقيقية في الكرامة الإنسانية لا تقوم على توزيع البراءة وفق الخلفيات الاجتماعية، بل على الاعتراف بقدرة الإنسان على الفعل وتحمل المسؤولية، دون إنكار القيود الواقعية التي تحيط بخياراته.

الخاتمة السيادية
إن أخطر ما يمكن أن تفعله بعض التوظيفات الأيديولوجية للسوسيولوجيا المعاصرة ليس العجز عن تفسير ميكانيكا الجريمة، بل النجاح في صياغة تفسيرات تسقط المسؤولية الأخلاقية عن الفاعل، أو تتجاوز الشروط القانونية للمساءلة، وتجرده من إرادته الإنسانية.
عندما تتحول عوامل الخطر في قاعات الجامعات والخطابات الإعلامية إلى «صكوك براءة» مسبقة، تتحول المعرفة من أداة للتفكيك والوقاية الحقيقية إلى أداة تشرعن الاتكالية وتعيد إنتاج الأزمة ذاتها في الهامش.
وبناءً على هذا التفكيك، فإن السؤال السوسيولوجي الجريء لمعهد DAMI يتجاوز الاكتفاء بجمع «أعذار الجناة»، لينفذ إلى جوهر الأزمة المعرفية:
متى يتحول تفسير الجريمة في الفضاء الأكاديمي إلى خطاب أيديولوجي يعفي مرتكبها من مسؤوليته، ويهمّش ضحاياه، ويقوّض سيادة القانون؟
إن المواجهة الحقيقية مع الجنوح تفرض على المؤسسات البحثية التوقف عن تلطيف المصائب برومانسية الضحية، والاعتراف بأن المواطنة والالتزام بالعقد الاجتماعي مسؤولية تفاعلية مشتركة: تتطلب كفاءة إجرائية وعدالة مؤسساتية من الدولة، وتفرض انضباطاً أخلاقياً ومساءلة فردية عن نتائج الأفعال وفق مقتضيات القانون.
فليس كل من عانى مظلوماً في كل ما يفعل، ولا تتحول الجريمة إلى فعل مشروع لمجرد أن مرتكبها عاش ظروفاً اجتماعية صعبة.
إن وظيفة السوسيولوجيا ليست البحث عن البراءة خلف كل جريمة، بل فهم أسبابها دون محو مسؤولية فاعلها أو إسكات صوت ضحيتها.

المصادر والمراجع

  • هيئة الإحصاء النرويجية SSB)، 2024).

Siktelser og siktede personer etter innvandringsbakgrunn.

تقرير حول الاتهامات والأشخاص المتهمين وفق خلفية الهجرة في النرويج، استناداً إلى بيانات الفترة 2020–2023، منشور في 9 ديسمبر 2024، ومحدث في 17 ديسمبر 2024.

https://www.ssb.no/sosiale-forhold-og-kriminalitet/kriminalitet-og-rettsvesen/statistikk/etterforskede-lovbrudd/artikler/siktelser-og-siktede-personer-etter-innvandringsbakgrunn

  • (Andersen, Synøve Nygaard & Skardhamar, Torbjørn (2012).

Age at Immigration and Crime: Findings for Male Immigrants in Norway.

Statistics Norway, Discussion Papers No. 728.

https://www.ssb.no/en/forskning/discussion-papers/age-at-immigration-and-crime

المقال التالي:
الحلقة الخامسة
السكين والجرح: ديناميكية التحول المزدوج

حقوق النشر
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.