السقيلبية بين قبضة النظام ونيران الجوار: ذاكرة لا تُمحى
لؤي الضاهر
DAMI Institute
06.10.2026

الصورة مأخوذة من موقع الأستاذ غيث العبدالله

كم مرة يُطلب من أهل السقيلبية أن يشرحوا خوفهم، ويدافعوا عن تاريخهم، ثم يصمتوا باسم التهدئة؟
هذا المقال موقف ضد اختصار مدينة كاملة بتهمة، وضد تحويل خلاف بين أفراد إلى عقاب جماعي. وهو مطالبة واضحة بالحماية، وكشف الحقائق، ومحاسبة كل من ارتكب انتهاكاً، أيّاً كان اسمه وانتماؤه.
نتمسّك بالجيرة، ونرفض أن تصبح الجيرة ذريعةً للتنازل عن حقوق المتضررين.

منذ سنوات ونحن نسمع النغمة ذاتها والأسئلة إياها تُلقى جزافاً: «أين كانت السقيلبية من الثورة؟ لماذا لم تقفوا معنا؟ ولماذا لم تحاربوا؟ السقيلبية شبيحة، السقيلبية عفّشت وقصفت…» إلى آخر هذه المعزوفة التي لا يتاجر بها ولا يجترّها إلا المفلسون وضعاف النفوس.

قبل أن تعيدوا تدوير هذا الكلام المستهلك، دعونا نفتح دفاتر الذاكرة التي تتعمدون القفز فوقها، ونضع الحقائق العارية أمامكم:

  • حين كان يطوّق مدينتنا خمسة أفرع أمنية كاملة التجهيز تترصد الأنفاس والحركات… ابقوا اسألوا: ليش ما وقفتوا معنا؟
  • حين استولت ثلاث نقاط عسكرية للجيش على المباني والمؤسسات الحكومية وطردت الموظفين منها بقوة السلاح… ابقوا اسألوا: ليش ما حاربتوا معنا؟
  • حين دخل المدينة آلاف العساكر والضباط وصفّ الضباط من مختلف المناطق، وكان جلّهم ممن يتبعون نهجكم ومناطقكم وبيئتكم… ابقوا اسألوا: ليش ما تحركتوا؟
  • حين كان المخبرون يتوافدون من كل حدب وصوب، ولاحقاً كشفت قيود وأراشيف الأفرع الأمنية في حماة عن أكثر من 700 مخبر ومخبرة و«فِسفوس» من قلعة المضيق وحدها زُرعوا لكتابة التقارير بحق كل مواطن في قريتكم أولاً ومن ثم السقيلبية… ابقوا اسألوا: ليش ما ساندتونا؟
  • حين اعتُقل خيرة شباب وتجار السقيلبية ودفعوا أثماناً باهظة في الزنازين فقط لأنهم أمّنوا لكم الخبز، وهرّبوا لكم المازوت، وأوصلوا المواد التموينية وخضار الساحل وفكوا خناق الحصار عنكم… ابقوا اسألوا: شو عملتوا؟
  • حين كان أبناء السقيلبية يُختطفون في وضح النهار وتُبتز عائلاتهم بملايين الليرات لفك أسرهم، من قبلكم، ويومها لم يكن في المدينة مسلح واحد، لا نابل ولا غيره، ولا وجود لأي فصيل تتذرعون باسمه اليوم لتبرير أفعالكم… ابقوا اسألوا: وين كنتوا؟
  • حين رفض أكثر من 90% من شباب السقيلبية الالتحاق بالخدمة الإلزامية والاحتياطية رفضاً لرفع السلاح أو إراقة دم إخوتهم في الوطن، متحمّلين الملاحقة والتخفي والمداهمات المستمرة… هنا عليكم أن تصمتوا وتلزموا حدودكم احتراماً لهذا الموقف، لا أن تأتوا لتوزعوا صكوك الوطنية والبطولات المتأخرة!
  • حين مُطرت السقيلبية بأكثر من 12 ألف قذيفة وصاروخ، حصدت أرواح العشرات من المدنيين والنساء والأطفال ومئات الجرحى بحجة استهداف «الشبيحة»، بينما كان فرع الأمن العسكري مستقراً ومستوطناً عندكم في «الحابوسي» ولم توجَّه نحوه طلقة واحدة… ابقوا اسألوا أين كانت تذهب قذائفكم!
  • حين كان مركز «النحل» العسكري يدك المناطق المجاورة دون أن تقترب منه نيرانكم، بينما كانت بيوت المدنيين العُزّل في السقيلبية هي الهدف والبديل السهل… ابقوا اسألوا!
  • حين هُجّر مئات المعارضين من السقيلبية واعتُقل العشرات في أقبية الفروع الأمنية التي قطعت أوصال المدينة وشيّدت الدشم عند مداخل الحارات ومخارجها وضيّقت الخناق على العباد… ابقوا اسألوا!

كفى متاجرة بهذه الأسطوانة البالية!

منطقة السقيلبية تضم وتجاور أكثر من 100 قرية وبلدة ومزرعة، عاشت وتعيش معها بأمن وسلام ومصالح متبادلة، ولم تسجل حادثة اعتداء ولا مشكلة واحدة مع أي قرية إلا معكم! فهل كُتب على رؤوسكم ريشة حمراء مثلاً؟! أم تظنون أنكم خارج نطاق المحاسبة والقانون؟!

نعلم يقيناً التناقضات التي تعيشونها، ونفرّق تماماً بين العقلاء والشرفاء منكم وما أكثرهم، وبين العابثين، ولهذا لم ننجر إلى مستنقع التعميم الرخيص احتراماً لروابط تاريخية لا يقدّرها المعتدون. ولكن احذروا أن تظنوا الصبر ضعفاً أو أن صوت الحق سيبقى خافتاً.

في كل مرة أريد كتابة منشور عن هذه الأحداث المستفزة، أتذكر صديقي في قلعة المضيق، وأتذكر أشخاصاً كانوا جزءاً من حياتي ومنهم من كان بمنزلة أخ، وأتراجع خوفاً على مشاعرهم.

لكن إلى متى؟!

هل يوجد عاقل يصدق أنه ما زال هناك «شبيحة» في السقيلبية؟!

وإن وُجدوا سابقاً بالعشرات، فكلهم ذهبوا إلى مزابل التاريخ كما ذهب معلمهم الأسد، تماماً كما ذهب مئات المخبرين والشبيحة والحزبيين من قلعة المضيق إلى مزابل التاريخ بعدما كشفتهم وثائق أفرع الأمن. هذه صفحة يجب أن تُطوى، ولا يجوز أن تتحول إلى تهمة جماعية تُورَّث.

أغلب الناس في البلدتين يعملون سوياً، يتاجرون ويسهرون سوياً، وعائلات من القلعة سكنت السقيلبية وبنت علاقات أخوّة وجيرة. ولا أحد من العقلاء يقبل بتصرفات مراهقين وزعران يريدون إشعال الفتنة.

لكن في الوقت نفسه، لا نساوي بين الطرفين؛ المعتدي الذي يدخل منطقة غيره ليستبيحها لا يتساوى مع من يدافع عن بيته وعرضه. ولو خرج مراهقون من السقيلبية ليعتدوا على القلعة لقلنا بحقهم نفس الكلام.

المطلوب اليوم من حكماء قلعة المضيق وعقلائها وما أكثرهم أن يلجموا هؤلاء الزعران، بدلاً من ترك قلة طائفية مأزومة تدمر ما تبقى من علاقة.

ولنذكّركم بتواريخ غزواتكم:

بتاريخ 27 / 03 / 2026، يوم غزوتكم الهمجية الأولى:

في ذلك اليوم لم تتكسر واجهات المحلات فقط؛ بل انكسرت الثقة وسقطت آخر أوراق التوت عن عوراتكم، وتغيرت معها الخارطة والحسابات السياسية كلياً. ذلك التاريخ أطاح بمدير المنطقة، وكان فاتحة لتراجع الدعم والغطاء الدولي عن البلاد بأسرها بسبب سلوككم الأرعن وعقليتكم الانتقامية!

ثم جاءت غزوتكم الثانية في 27 / 07 / 2026 حين تماديتم واعتقل بعضاً من شباب المدينة؛ فهل نسيتم الارتدادات السياسية والصفعات التي أعقبتها، أم نذكركم؟!

وها أنتم اليوم، في غزوتكم الثالثة بتاريخ 03 / 10 / 2026، تكررون النهج التخريبي ذاته… فماذا تنتظرون أن يحصل هذه المرة؟!

ولتنشيط ذكائكم المحدود، اسألوا أنفسكم بجرأة:

لماذا السقيلبية تحديداً دون سائر المدن تشتعل باسمها المحافل وتصبح قضيّتها رأياً عاماً دولياً؟

لماذا عندما يُمسّ شبر فيها أو يُعتدى على أهلها تدول القضية وتصل فوراً إلى جدول أعمال البرلمان الأوروبي؟

ولماذا يقف أعضاء الكونغرس الأمريكي ويضعون السقيلبية في مقدمة ملفات حماية المكونات والوجود في الشرق الأوسط؟!

وافهموا جيداً أننا لسنا وحدنا في هذا الميدان؛ لدينا عدة مراكز أبحاث ودراسات استراتيجية ترتبط مباشرة وتتواصل لحظياً مع كبرى مراكز الفكر وصناع القرار والسياسات في العالم، تترقب وتوثق وتنتظر كل همجية من همجياتكم هذه لتدويلها ووضعها على طاولات القرار الدولي.

كل هذا العبث وهذا الانفلات ما كان ليمر لولا التقصير الفاضح وعجز الحكومة المؤقتة الانتقالية وأجهزتها الأمنية عن فرض هيبة القانون وحماية المواطنين ولجم المعتدين.

فلتثوبوا إلى رشدكم، وكفّوا عن هذا التخريب، واتركوا العقلاء والشرفاء يبنون الوطن وينهضون به بعيداً عن أحقادكم وغزواتكم الرعناء.

للسقيلبية أهلٌ يحمون كرامتها وذاكرة لا تموت، ومن اعتاد استباحة الجوار واختلاق المبررات، عليه أن يعلم أن زمن السكوت ولى، وأن فاتورة الحساب والملاحقة قادمة في إطار العدالة الانتقالية الحقيقية والقانون.

حقوق النشر
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.