الإسلام السياسي السلطوي: من إنتاج الطاعة إلى تسليع المقدّس
يأتي هذا المقال ضمن سلسلة “الشرعية تحت الضغط” التي ينشرها DAMI Institute، والتي تبحث في العلاقة بين الاقتصاد، والرمزية الدينية، وإعادة إنتاج الشرعية في السياقات المعاصرة.
د. علي مطيع عيسى
06.05.2026

في المقالات السابقة، تم تتبع المسار الذي تنتقل من خلاله السلطة من إدارة الاقتصاد إلى استدعاء الدين، ثم إلى توظيف الحدث الرمزي، وصولاً إلى إعادة تشكيل الذاكرة وإنتاج المعنى. غير أن هذه المستويات، على أهميتها، تظل غير مكتملة دون فهم الإطار البنيوي الذي يجمعها، والمتمثل في ما يمكن توصيفه بـ “الإسلام السياسي السلطوي”.
في هذا السياق، لا يُفهم الإسلام السياسي بوصفه مجرد عودة للدين إلى المجال العام، بل كصيغة محددة لإعادة تشكيل الدين ضمن منطق الدولة، بحيث يتحول من منظومة إيمانية متعددة التأويلات إلى أداة مركزية في إنتاج الشرعية وإدارة المجال الاجتماعي.
من المرجعية إلى الأداة
يمثل الإسلام، بوصفه مرجعية دينية وثقافية، أحد أهم مكونات المجال العام في المجتمعات الإسلامية. غير أن توظيفه سياسياً لا يحدث بشكل محايد، بل عبر عملية إعادة صياغة تضعه ضمن إطار يخدم بنية السلطة.
في هذا التحول، لا يعود الدين مرجعاً أخلاقياً يمكن الاحتكام إليه، بل يصبح أداة لإعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، من خلال إنتاج خطاب يمنح السلطة بعداً يتجاوز المساءلة السياسية المباشرة. وهنا، يتم نقل مركز الشرعية من الأداء المادي إلى المجال الرمزي، حيث تُعاد صياغة الطاعة ضمن إطار ديني يُقدَّم بوصفه بديلاً عن معايير الكفاءة أو العدالة.
إنتاج الطاعة عبر البنية الرمزية
لا تعتمد السلطة، في هذا النموذج، على الأدوات القسرية فقط، بل على إعادة تشكيل البنية الرمزية التي تحدد إدراك الأفراد للشرعية. فبدلاً من فرض الطاعة بالقوة، يتم إنتاجها عبر خطاب يعيد تعريف ما هو “مشروع” و”مقبول” داخل المجال العام.
في هذا السياق، يلعب الدين دور الوسيط الذي يربط بين السلطة والمجتمع، ليس بوصفه حيزاً مستقلاً، بل كجزء من منظومة الحكم. ويتم ذلك عبر تقديم تأويلات محددة للنصوص الدينية، وإعادة توجيه الخطاب الديني بحيث ينسجم مع متطلبات الاستقرار السياسي، حتى عندما يتعارض ذلك مع الشروط الأصلية التي يقوم عليها هذا الخطاب.
وبذلك، تتحول الطاعة من خيار سياسي قابل للنقاش، إلى التزام رمزي يُعاد إنتاجه داخل منظومة المعنى التي تُشرف عليها السلطة.
تسليع المقدّس
في هذه المرحلة، يحدث تحول أكثر عمقاً، يمكن توصيفه بـ “تسليع المقدّس”. لا يعني ذلك إلغاء البعد الديني، بل تغيير موقعه داخل المجال العام، بحيث يصبح قابلاً للإنتاج، والعرض، والتوظيف ضمن منطق أقرب إلى السوق الرمزي.
يُقدَّم الدين هنا في شكل أحداث، ومشاريع، وخطابات، تُقيَّم بمدى قدرتها على تحقيق أثر سياسي، لا بمدى اتساقها مع قيمها الأصلية. وبهذا المعنى، لا يعود المقدّس خارج منطق الاستخدام، بل يدخل في دورة إنتاج واستهلاك، تُدار وفق اعتبارات تتعلق بالشرعية، والتنافس السياسي، وإدارة الأزمات.
هذا التحول يجعل من الدين مورداً استراتيجياً، يمكن استثماره داخلياً لضبط المجال الاجتماعي، وخارجياً لإنتاج صورة تعزز موقع الدولة ضمن التوازنات الإقليمية والدولية.
بين الدولة والسوق: الدين كقيمة سياسية
لا يمكن فصل هذا المسار عن العلاقة الأوسع بين الدولة والسوق والمجتمع. ففي سياقات تتسم بالضغط الاقتصادي، والحاجة إلى موارد، والبحث عن استقرار سياسي، يصبح الدين أداة متعددة الوظائف.
داخلياً، يُستخدم لإعادة إنتاج القبول الاجتماعي.
وخارجياً، يتحول إلى عنصر ضمن خطاب السيادة، يمكن توظيفه في بناء التحالفات، أو تحسين موقع الدولة في النظام الدولي.
في هذا الإطار، لا يكون الدين مجرد عنصر ثقافي، بل يصبح قيمة سياسية تُقاس بقدرتها على تحقيق توازن بين الداخل والخارج، بين الشرعية المحلية والاعتراف الدولي.
حدود النموذج السلطوي
رغم ما يوفره هذا النموذج من أدوات لإدارة الأزمات، فإنه يظل محكوماً بحدود واضحة. فإنتاج الطاعة عبر الرمز لا يمكن أن يعوّض إلى ما لا نهاية غياب الأداء المادي. ومع تكرار التوظيف، تتعرض البنية الرمزية نفسها إلى التآكل، خاصة عندما تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع.
في هذه المرحلة، يتحول الدين من مصدر للشرعية إلى ساحة للتنافس، وقد يفقد قدرته على أداء وظيفته كوسيط مستقر بين السلطة والمجتمع. كما أن إدخاله في منطق الاستخدام السياسي يعرضه لإعادة التقييم والنقد، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضاً على المستوى الاجتماعي والثقافي.
نحو قراءة نقدية
لا يعني هذا التحليل أن حضور الدين في المجال العام يمثل مشكلة بحد ذاته، بل إن الإشكالية تكمن في كيفية توظيفه. فهناك فرق بين دين يُسهم في بناء فضاء مدني مفتوح، ودين يُعاد تشكيله ليصبح أداة في إدارة السلطة.
في الحالة الأولى، يكون الدين جزءاً من نقاش عام حول العدالة، والحقوق، والمواطنة.
وفي الحالة الثانية، يتحول إلى إطار مغلق يُعاد من خلاله تعريف هذه القيم بما يخدم استمرارية النظام.
سؤال المرحلة
يكشف تحليل الإسلام السياسي السلطوي أن ما يجري لا يقتصر على استخدام الدين، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيله ضمن منطق الحكم. غير أن هذا المسار، رغم ما يوفره من أدوات، يظل عرضة لتناقضاته الداخلية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
في ضوء ذلك، يبرز سؤال يتجاوز الحالة السورية ليشمل سياقات أوسع:
إلى أي مدى يمكن للدين أن يستمر كأداة للشرعية، حين يُدمج في بنية السلطة، ويُخضع لمنطقها، في ظل واقع مادي يزداد ضغطاً وتعقيداً؟
🔗
هذا المقال هو الجزء الرابع من سلسلة “الشرعية تحت الضغط”.
لقراءة الجزء الأول:
“عندما ينهار الاقتصاد… يُستدعى الدين”
https://damiinstitute.org/https-damiinstitute-org-economy-religion-legitimacy/
لقراءة الجزء الثاني:
“مصحف الشام: بين الرمزية الدينية وإدارة الانتباه”
https://damiinstitute.org/https-damiinstitute-org-religion-attention-crisis-politics/
لقراءة الجزء الثالث:
“إعادة تشكيل الذاكرة ومسرحة السياسة”
https://damiinstitute.org/https-damiinstitute-org-reshaping-memory-and-staging-politics/
د. علي مطيع عيسى – سوريا
حاصل على دكتوراه في العلوم الاقتصادية ودكتوراه في العلوم السياسية
باحث في الاقتصاد السياسي الجيوسياسي، مهتم بقضايا الشرق الأوسط الجيوسياسية ومسائل الاقتصاد السياسي الثقافي