استباحة الغريبة: عنف يومي في الفضاء العام
قراءة اجتماعية في ظاهرة التحرش بالنساء في الفضاء العام، من خلال تحليل العلاقة بين الرقابة الاجتماعية، الهيمنة الذكورية، وبنية السلطة الرمزية في المجتمعات المحلية، انطلاقاً من حادثة السقيلبية وقلعة المضيق.
الكاتبة أ. نهلة نوريان نعنع
30.04.2026

في النقاش الذي رافق ما جرى بين السقيلبية وقلعة المضيق في مارس 2026، لم تكن العبارات المتداولة بحاجة إلى تفسير. الجملة كانت واضحة وصادمة: بعض الشباب يذهبون “لتلطيش البنات”. هذه الصياغة، على فظاظتها، تقول ما يحاول كثيرون تجنبه: نحن لا نتحدث عن رغبة أو انجذاب، بل عن سلوك يقوم على الإهانة، وعلى التعامل مع المرأة كهدف مباح.
والسؤال هنا لا يعود: هل لا يوجد بنات في قلعة المضيق؟
بل يصبح: لماذا تحتاج هذه الذكورة إلى مدينة أخرى كي تمارس استعراضها الرخيص؟ لماذا لا يظهر هذا “التلطيش” داخل البيئة نفسها التي ينتمي إليها الفاعلون؟ ما الذي يتغير عندما تتغير الجغرافيا؟
الجواب، ليس في النساء، بل في الرجال؛ ليس في العدد، بل في طبيعة العلاقة بالمكان، وبالرقابة، وبفكرة القوة نفسها.
في المجتمعات الصغيرة، مثل قلعة المضيق، لا يعيش الفرد ككيان مستقل، بل كجزء من شبكة كثيفة من العلاقات: عائلة، أقارب، معارف، سمعة. هذه الشبكة تعمل كجهاز رقابة دائم. ليس بالضرورة رقابة قانونية، بل اجتماعية، وغالباً ما تكون أشد قسوة. أي سلوك يمكن أن يرتد على صاحبه، لا عليه فقط، بل على عائلته بأكملها.
لهذا، يتم ضبط السلوك داخل هذه البيئة. لكن هذا الضبط لا يعني بالضرورة وجود قناعة أخلاقية. في كثير من الأحيان، هو مرتبط بالخوف من العواقب: من الفضيحة، من ردّ الفعل، من انكشاف الأمر، ومن الأثر الذي قد يمتد إلى ما هو أبعد من الفرد نفسه.
بمجرد الخروج من هذه الشبكة، يتغير كل شيء. في مدينة أخرى، لا أحد يعرفك، ولا أحد يربطك بعائلة أو سمعة. تختفي هذه القيود، أو تضعف على الأقل، فيتحرر السلوك منها. هنا لا نرى شخصاً مختلفاً، بل نرى الشخص نفسه وقد أُزيلت عنه الضوابط التي كانت تكبحه. وهذه واحدة من أكثر الحقائق إزعاجاً: ما كان يُظن أنه أخلاق، لم يكن في كثير من الأحيان سوى خوف.
هذا التحول لا يمكن فهمه فقط من زاوية الرقابة، بل أيضاً من خلال طبيعة الفضاء العام نفسه. في كثير من المجتمعات، لا يُنظر إلى الشارع كمساحة مشتركة، بل كمساحة يهيمن عليها الرجال. وجود المرأة فيه يُعامل ضمنياً كشيء قابل للتعليق أو التدخل أو الاختبار. في هذا السياق، لا يكون “التلطيش” سلوكاً عشوائياً، بل وسيلة لإعادة ترسيم الحدود: من يملك المكان، ومن يجب أن يشعر بأنه دخيل.
بيير بورديو، في تحليله لمفهوم “الهيمنة الذكورية”، يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن كثيراً من أشكال العنف ضد النساء لا تُمارس فقط كأفعال مباشرة، بل كـ”عنف رمزي” يهدف إلى تثبيت موقع المرأة في مرتبة أدنى داخل النظام الاجتماعي. وفق هذا الفهم، لا يكون التحرش مجرد مضايقة، بل رسالة واضحة: وجودك هنا ليس حقاً بديهياً، بل شيء يمكن العبث به.
لكن لماذا “الغريبة” تحديداً؟ لماذا لا يُمارس هذا السلوك داخل المجتمع نفسه؟
الجواب يكمن في بنية العلاقات. في الداخل، الفتاة ليست فرداً معزولاً، بل جزء من شبكة مترابطة، وأي اعتداء عليها قد يفتح أبواباً لا يمكن توقعها. أما في الخارج، فهذه الشبكة غير موجودة. تتحول الفتاة إلى شخص بلا امتداد اجتماعي في نظر الفاعل، أي هدف أسهل، وردّ فعله أقل احتمالاً.
وهنا تظهر حقيقة أخرى: هذا السلوك لا يتعلق بالنساء بقدر ما يتعلق بتعريف الرجولة نفسها. دراسات عديدة تشير إلى أن مثل هذه الممارسات ترتبط بإثبات الذات أكثر مما ترتبط بالرغبة. في بيئات تعاني من ضغط اقتصادي واجتماعي، ومع محدودية فرص تحقيق المكانة، يصبح الجسد الأنثوي ساحة بديلة لعرض القوة. ليس لأنه “مرغوب”، بل لأنه “متاح”، ولأن التبعات تبدو أقل.
بهذا المعنى، يصبح “التلطيش” فعلاً اجتماعياً مركباً: مزيج من غياب المحاسبة، وهيمنة تصور ذكوري للفضاء، وأزمة في تعريف الرجولة. رجولة لا تُبنى على الإنجاز أو المسؤولية، بل على القدرة على فرض السيطرة، ولو بشكل مؤقت، على طرف أضعف.
المشكلة لا تتوقف عند السلوك نفسه، بل تمتد إلى الطريقة التي يتم تفسيره بها. حين يُختصر الأمر بعبارة مثل “يذهبون لتلطيش البنات”، يبدو الوصف كأنه تفسير، بينما هو في الحقيقة مجرد إعادة صياغة للفعل بلغة أخف. هذا النوع من التداول لا يشرح شيئاً، بل يساهم في تطبيع السلوك، لأنه يحوّل الإهانة إلى أمر مألوف، ويخفف من وطأتها عبر اللغة، بدلاً من مواجهتها كفعل يستدعي المساءلة.
لكن الواقع يقول العكس. نفس الأفراد، في نفس الظروف، يتصرفون بشكل مختلف تماماً عندما تتغير حدود المحاسبة والانكشاف. وهذا يعني أن المسألة ليست في “الدوافع”، بل في “الحدود” التي تضبطها.
ما يحدث بين السقيلبية وقلعة المضيق ليس حالة استثنائية، بل مثال مكثف على خلل أوسع: مجتمع يربط السلوك بالخوف من العواقب، لا بالقناعة؛ ويمنح الاحترام بناءً على القرب، لا على المبدأ؛ ويحوّل المرأة من إنسان مستقل إلى امتداد لسمعة جماعية.
في مثل هذا السياق، لا يكون الحل في تغيير المكان، ولا في زيادة عدد “العيون” فقط. لأن المشكلة أعمق: إنها في البنية التي تجعل الإنسان يتصرف بشكل مختلف عندما يظن أنه غير مرئي.
السؤال الحقيقي، إذاً، ليس لماذا يذهب هؤلاء الشباب إلى مدينة أخرى.
السؤال هو: ماذا يتبقى من الأخلاق عندما يختفي الخوف؟
التعريف بالكاتبة:
أ. نهلة نوريان نعنع باحثة في تقاطعات السياسة و الاقتصاد و التكنولوجيا
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.