سجن الهوية والانتماء العرقي: حين تتحول الهوية من جسر للتواصل إلى سور للعزل والإقصاء
هذا المقال جزء من سلسلة: أزمة الهوية وزحف اللاقيم: تشريح مجتمع يتآكل من الداخل – الحلقة الخامسة
يندرج هذا المقال ضمن مشروع تحليلي أوسع يقدّمه DAMI Institute في إطار سلسلة تفكيكية تتناول تحولات المجتمع والهوية والإنسان المعاصر من منظور سوسيولوجي ونقدي. وقد انطلقت اللبنات الأولى لهذا المشروع من الأفكار والمحاور الواردة في أبحاث ودراسات الدكتور محمود إسماعيل، التي شكّلت أرضية فكرية مهمة لفتح أسئلة جديدة وتوسيعها وربطها بسياقات نظرية وفلسفية معاصرة.

ليست المأساة البنيوية الحقيقية في أن يمتلك الإنسان هوية تشده إلى جذر ثقافي أو تاريخي؛ فالهويات في أصلها السوسيولوجي ليست لعنة تاريخية ولا خطيئة اجتماعية، بل هي حاجة وجودية تمنح الفرد سقفاً نفسياً وثقافياً يحميه من العدمية، وتحقق له الاعتراف والأمان الاستراتيجي. غير أن الكارثة تبدأ حين تتوقف الهوية عن أداء وظيفتها الطبيعية كفضاء للتعارف الإنساني والامتداد، وتتحول بصورة راديكالية إلى جدار عازل، ثم إلى حصن دفاعي مغلق، لتنتهي كـ زنزانة سيكولوجية وعرقية يختنق داخلها المجتمع وهو يتوهم أنه وجد النجاة.

إن الوهم السائد في وعينا الجمعي يروّج لنظريات مبسطة تزعم أن المجتمعات تتشظى عرقياً وطائفياً بسبب “اختلافاتها الطبيعية”، بينما يكشف التحليل البنيوي عن حقيقة أكثر قسوة؛ فالمعضلة لا تكمن في الاختلاف نفسه، بل في تآكل الأمن الثقافي والوجودي الناتج عن انهيار المظلات الوطنية الكبرى. فحين تتآكل الدولة المؤسسية، وتتحول القوانين إلى نصوص صورية تخدم العصبيات الملتفة حول الريع، يفقد الفرد ثقته في المجال العام ويدخل في حالة دفاعية مزمنة. عندها يتوقف وعيه عن التساؤل: كيف أمارس مواطنتي؟، ويرتد مذعوراً نحو سؤال ما قبل الدولة: من هي الجماعة التي ستحميني؟

هنا يتجلى الاغتراب الهوياتي في أكثر صوره قسوة؛ إذ يتحول الانتماء من فعل إنساني منفتح إلى مشروع دفاعي عدائي ضد الآخر. يصبح الاسم، واللقب العائلي، والانتماء الجغرافي والطائفي، أدوات فرز وإقصاء اجتماعي حاد، ويتحول الآخر تلقائياً من شريك في وطن ومصير إلى تهديد وجودي محتمل ينبغي الحذر منه أو الاستقواء عليه.

وفي كتابه العقد الاجتماعي وضع الفيلسوف جان جاك روسو يده على هذا الجرح التاريخي حين أطلق صرخته الشهيرة:

«إن الإنسان يولد حراً، وفي كل مكان هو مكبل بالسلاسل».

لم يكن روسو يتحدث عن أغلال الحديد، بل عن سلاسل الانتماءات المغلقة والعصبيات التي تكبّل الإنسان، وتحول دون ارتقائه نحو إرادة عامة تتجاوز المصالح الفئوية الضيقة. وحين يتحول الانتماء العرقي أو القبلي إلى هوية مطلقة تسبق المواطنة وتبتلعها، يصبح الإنسان غريباً داخل وطنه؛ لا ينتمي إلى الدولة لأن ولاءه الفعلي لعشيرته، ولا ينتمي إلى العالم لأن انغلاقه الهوياتي يمنعه من ذلك.

لكن هذا التقوقع ليس مجرد استجابة سيكولوجية ناتجة عن الخوف؛ بل يمتلك جذراً مادياً واقتصادياً عميقاً فككه فريدريك أنجلس في تحليله لبنية العائلة والملكية والدولة؛ إذ تتحول العائلة والعشيرة تدريجياً من رابطة إنسانية طبيعية إلى وحدة اقتصادية وسياسية تهدف إلى تمركز الثروة وتوريث الامتيازات داخل شبكة الولاء الضيقة. ولهذا لا يتمسك الفرد بزنزانته العرقية والقبلية لأنه يحبها فقط، بل لأنه يدرك في أعماقه أن الدولة تحولت إلى جهة تمنح الامتيازات وفقاً للولاء لا وفقاً للكفاءة، وأن هويته الضيقة أصبحت بطاقته التموينية والسياسية الأخيرة.

هذه الآلية الدفاعية لا تنتج فقط عزلة اجتماعية، بل تنتج فصاماً أخلاقياً حاداً؛ حيث يصبح المجتمع قادراً على التسامح مع أخطاء الفاسدين والانتهازيين إذا كانوا من “الجماعة نفسها”، بينما يستشيط غضباً من السلوك ذاته إذا صدر عن “الآخر”. وهكذا تتحول الهوية من جسر للتواصل البشري إلى سور مرتفع للعزل؛ حيث يُطلب الأمان في الضيق والانغلاق لا في الاتساع والانفتاح.

والسؤال الأكثر استفزازاً الذي يواجه وعينا اليوم ليس:

هل ما زلنا نمتلك مقومات مجتمع حي قادر على صياغة مستقبل مشترك؟
بل:
أم أننا تحولنا إلى مجموعات منعزلة تعيش داخل سجون عرقية وقيمية مسوّرة، نقتات على الخوف من الآخر وننتظر الانهيار الكامل للبنية الاجتماعية؟

إن الانكفاء نحو جحور الهويات ما قبل الوطنية ليس مجرد أزمة انتماء؛ إنه الإعلان الصامت عن تآكل المنظومة القيمية وانهيار الرابط الروحي بالأرض ذاتها.

الباحث الدكتور محمود اسماعيل

وفي الحلقة القادمة سنعبر إلى الجرح البنيوي الأخير في هذا المسار:
سقوط المنظومة القيمية وتراجع الانتماء للأرض: حين يتحول الوطن إلى فندق والمواطن إلى مستأجر.

جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute. لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر. الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.