من القمح إلى الكرامة: ماذا كشف اعتذار الشرع عن هشاشة العلاقة بين المركز والشرق السوري؟
الدكتور علي مطيع عيسى
14.06.2026

مقدمة
في المجتمعات الخارجة من النزاعات، لا تكشف الأحداث السياسية عن نفسها من خلال الوقائع المباشرة فقط، بل من خلال المعاني العميقة التي تحملها وردود الفعل التي تثيرها داخل المجتمع. فالكلمات والتصريحات والرموز قد تتحول أحياناً إلى مؤشرات على اختلالات أوسع تتعلق بالهوية والعدالة والاعتراف والعلاقة بين الدولة ومواطنيها.
في هذه الدراسة، يقدم الباحث الدكتور علي مطيع عيسى قراءة تحليلية لحدث أثار نقاشاً واسعاً في سوريا، منطلقاً من الجدل الذي رافق التصريحات المنسوبة إلى حسين الشرع والد رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، وما أعقبها من اعتذار رسمي. إلا أن الدراسة تتجاوز الحدث نفسه لتناقش قضايا أعمق تتعلق بالعلاقة بين المركز والأطراف، ودور الموارد الاقتصادية في تشكيل التوازنات السياسية، وتأثير الاعتراف الرمزي والكرامة الاجتماعية في استقرار المجتمعات.
ومن خلال توظيف مفاهيم من علم الاجتماع السياسي والاقتصاد السياسي النقدي، تسعى الدراسة إلى فهم ما تكشفه هذه الحادثة عن طبيعة الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب، وعن التحديات المرتبطة ببناء مواطنة أكثر توازناً وعدالة بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
ملخص الدراسة
تنطلق هذه الدراسة من حدث سياسي وإعلامي أثار نقاشاً واسعاً في سوريا، تمثل في الجدل الذي أعقب تصريحات حسين الشرع والد رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، وما تبعها من اعتذار سريع. إلا أن الدراسة لا تنظر إلى الحدث بوصفه مجرد أزمة إعلامية عابرة أو خطأ لغوي استدعى التراجع، بل تعتبره نافذة تحليلية لفهم إشكاليات أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف داخل الدولة السورية، وبالتحديد بين السلطة المركزية والمناطق الشرقية.
تجادل الدراسة بأن ردود الفعل الواسعة التي أثارتها التصريحات لا يمكن تفسيرها من خلال مضمون الكلمات وحده، بل من خلال السياق التاريخي والاجتماعي الذي استقبلها. فالمناطق الشرقية في سوريا لا تُنظر إليها فقط بوصفها مساحة جغرافية أو منطقة إنتاج زراعي، وإنما باعتبارها فضاءً يحمل تاريخاً طويلاً من الإحساس بعدم التوازن في توزيع الموارد والاعتراف السياسي والرمزي. ومن هنا يصبح أي خطاب يُفهم على أنه انتقاص من قيمة هذه المناطق أو سكانها قادراً على استحضار تراكمات ممتدة من التهميش والإقصاء.
وتستند الدراسة إلى مفاهيم من علم الاجتماع السياسي والاقتصاد الثقافي النقدي، وخاصة مفاهيم العنف الرمزي والاعتراف الاجتماعي، لتوضيح كيف يمكن للغة السياسية أن تتحول في المجتمعات الخارجة من النزاعات إلى عنصر شديد الحساسية. فالإهانة الرمزية، وفقاً للطرح الذي تتبناه الدراسة، قد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من الأزمات الاقتصادية المباشرة، لأنها تمس مكانة الجماعات داخل البنية المعنوية للدولة، وليس فقط موقعها داخل منظومة توزيع الموارد.
كما تناقش الدراسة ملف القمح بوصفه نموذجاً كاشفاً لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالقمح في الحالة السورية لا يمثل مجرد محصول زراعي أو سلعة اقتصادية، بل يشكل عنصراً سيادياً مرتبطاً بالأمن الغذائي والاستقرار السياسي. ومن خلال تحليل أزمة تسعير القمح، توضح الدراسة كيف تتداخل اعتبارات الاقتصاد والأمن والسياسة في إدارة العلاقة بين المركز والمناطق المنتجة للموارد، وكيف يمكن أن تتحول القضايا الاقتصادية إلى مؤشرات على طبيعة العقد الاجتماعي القائم داخل الدولة.
وفي محور آخر، تتناول الدراسة أسباب الحساسية السياسية العالية تجاه التصريحات المثيرة للجدل، وتطرح فرضية مفادها أن سرعة الاعتذار لم تكن مرتبطة فقط بالرغبة في تهدئة الرأي العام، وإنما أيضاً بإدراك السلطة لوجود توازنات اجتماعية وأمنية دقيقة لا يمكن تجاهلها. فالشرق السوري لم يعد مجرد هامش جغرافي، بل أصبح يمتلك وزناً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً متزايداً، الأمر الذي يجعل أي توتر بين المركز والأطراف يحمل تداعيات تتجاوز البعد الإعلامي المباشر.
وتتوسع الدراسة كذلك في تحليل أثر الحرب السورية على بنية الهوية الوطنية، حيث تشير إلى أن سنوات الصراع لم تنجح في إنتاج هوية وطنية أكثر اندماجاً، بل ساهمت في إعادة تنشيط الهويات الفرعية المرتبطة بالمنطقة والعشيرة والطائفة. وبدلاً من الحديث عن عودة كاملة إلى ما قبل الدولة الوطنية، تقترح الدراسة مفهوم “تراكب الهويات” لفهم الواقع السوري المعاصر، حيث تتعايش الانتماءات الوطنية والمحلية دون أن تنصهر ضمن إطار مستقر وموحد.
وتخلص الدراسة إلى أن أهمية الحدث لا تكمن في التصريحات أو الاعتذار بحد ذاتهما، بل في ما كشفته من هشاشة مستمرة في العلاقة بين العدالة الاقتصادية والاعتراف الرمزي داخل المجتمع السوري. فالخطر الحقيقي، وفقاً للباحث، يظهر عندما يتقاطع الشعور بالحرمان المادي مع الإحساس بالإهانة أو عدم الاعتراف، لأن هذا التقاطع يمتلك قدرة كبيرة على إنتاج أشكال جديدة من الاحتجاج والتعبئة السياسية.
وعليه، ترى الدراسة أن فهم التحولات السورية الراهنة يتطلب تجاوز القراءة المباشرة للأحداث نحو تحليل أعمق للعلاقات بين السلطة والموارد والهوية والكرامة، باعتبارها عناصر مترابطة تشكل في مجموعها الأساس الذي تُبنى عليه شرعية الدولة واستقرارها في مرحلة ما بعد الحرب.
د. علي مطيع عيسى – سوريا
حاصل على دكتوراه في العلوم الاقتصادية ودكتوراه في العلوم السياسية
باحث في الاقتصاد السياسي الجيوسياسي، مهتم بقضايا الشرق الأوسط الجيوسياسية ومسائل الاقتصاد السياسي الثقافي
للحصول على النسخة الكاملة من البحث، يرجى التواصل معنا