العودة إلى ما قبل الدولة: حين ترتدي العصبية ثياب المؤسسة وتتآكل هيبة القانون
هذا المقال جزء من سلسلة: أزمة الهوية وزحف اللاقيم: تشريح مجتمع يتآكل من الداخل – الحلقة الرابعة
يندرج هذا المقال ضمن مشروع تحليلي أوسع يقدّمه DAMI Institute في إطار سلسلة تفكيكية تتناول تحولات المجتمع والهوية والإنسان المعاصر من منظور سوسيولوجي ونقدي. وقد انطلقت اللبنات الأولى لهذا المشروع من الأفكار والمحاور الواردة في أبحاث ودراسات الدكتور محمود إسماعيل، التي شكّلت أرضية فكرية مهمة لفتح أسئلة جديدة وتوسيعها وربطها بسياقات نظرية وفلسفية معاصرة.

ليست أخطر لحظات الانهيار التاريخي للمجتمعات هي تلك التي تختفي فيها الدول عسكرياً من الخرائط السياسية، أو تسقط الحكومات، أو تُغلق المؤسسات أبوابها؛ فالأنساق الاجتماعية تمتلك قدرة راديكالية على النهوض من تحت الأنقاض وإعادة إنتاج هياكلها الفيزيائية وجيوشها ومؤسساتها بأشكال جديدة. الكارثة الوجودية الحقيقية تبدأ حين تبدو الدولة قائمة في الشكل بينما تكون متلاشية في الجوهر؛ حين تستمر الكيانات المؤسسية في أداء وظائفها الصورية، وتظل النصوص القانونية مطبوعة في الدساتير، وتبقى الأعلام مرفوعة فوق المباني، بينما الروح التي تمنح هذا الهيكل شرعيته ومعناه قد انسحبت بصمت مريب.

إننا نعيش اليوم أحد أكثر التشخيصات السوسيولوجية إرباكاً للواقع العربي: ظاهرة ما قبل الدولة داخل الدولة ذاتها.

إن الوهم السائد يختزل الدولة في هياكل الإسمنت والأجهزة البيروقراطية والأختام الرسمية، بينما يكشف التفكيك البنيوي أن الدولة في أصلها ليست مباني ولا مكاتب، بل هي عقد اجتماعي ضمني عميق ـ كما حلم به جان جاك روسو ـ عقد يؤسس لسيادة القانون فوق العصبية، ويرهن الترقي الاجتماعي بالكفاءة لا بالقرابة، ويوائم بين المواطنة والانتماء الأوسع. لكن ماذا يحدث حين يبدأ هذا العقد بالتآكل من الداخل؟ ماذا يحدث حين يتحول جهاز الدولة تدريجياً إلى جهة توزيع للمغانم والمكارم وفقاً لمنطق الولاء الجغرافي والقبلي لا لمنطق الجدارة والاستحقاق؟

هنا ينفجر الارتداد التاريخي الكبير؛ إذ يعجز الفرد عن العثور على أمنه الوجودي داخل مؤسسات مخترقة، فلا يعود إلى الدولة بل يرتد مذعوراً إلى البنيات البدائية لما قبل الدولة: إلى القبيلة والطائفة والعشيرة والولاءات الضيقة التي تمنحه شعوراً نفسياً سريعاً بالأمان، حتى وإن كان هذا الأمان مؤقتاً وهشاً.

لقد أدرك ابن خلدون مبكراً في مقدمته أن العصبية ليست تفصيلاً هامشياً في حركة التاريخ، بل هي محركه الخفي؛ فهي قوة تضامن اجتماعي تبني الدول حين تكون في خدمتها، لكنها تتحول إلى أداة تآكل وانهيار حين تتمرد عليها وتأكل هيبتها من الداخل. والمأساة الراهنة في مجتمعاتنا لا تتمثل في اختفاء القبيلة، بل في قدرتها الفائقة على اختراق قلب الحداثة نفسها والتسلل إلى بنية المؤسسة الدستورية.

إننا لا نعيش موت العصبية، بل نعيش عملية قوننة وتحديث للعصبية؛ إذ لم تعد القبيلة تُعرّف باسمها البدائي المباشر، بل أعادت إنتاج نفسها تحت مسميات براقة مثل “شبكات المصالح”، و”الولاءات البيروقراطية”، و”دوائر النفوذ”، مع الاحتفاظ بالجوهر الإقصائي ذاته.

وهنا تلتقي أزمتنا مع الأطروحة البنيوية التي قدمها فريدريك أنجلس في كتابه أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة؛ إذ يوضح أن العصبية القبائلية لا تموت بمجرد نشوء الدولة، بل تتسرب إلى أحشائها وتشكل بنيتها العميقة. كما يبين كيف تتحول العائلة والعشيرة من رابطة إنسانية وعاطفية إلى أداة اقتصادية وسياسية لتوريث السلطة وتمركز الثروة، الأمر الذي يخلق حاجزاً صلباً يمنع تشكل هوية وطنية جامعة، ويجبر الفرد على أن يكون معروفاً بنسبه وقرابته أكثر من كفاءته وإنتاجه، وهو ما يعمق حالة الاغتراب الهوياتي.

لقد شخّص علي الوردي في وعاظ السلاطين هذا الفصام بدقة صادمة حين كتب:

«إن الإنسان العربي يحمل في نفسه قيمتين متناقضتين في آن واحد، قيم البداوة وقيم المدنية، دون أن يحسم الصراع بينهما، فيظل معلقاً بين عالمين.. لا هو بدوي حقيقي.. ولا هو مدني حقيقي..»

هذا الانقسام البنيوي يحول الدولة تدريجياً من فضاء للمواطنة الحقة إلى ساحة تنافس بين العصبيات والشبكات الخفية التي تستغل مؤسسات الوطن لخدمة الجماعة الضيقة، فتصبح القوانين نصوصاً تُخترق علناً باسم الولاء والانتماء.

وحينها ينهار شيء أخطر بكثير من المؤسسات نفسها؛ ينهار إيمان الإنسان بجدوى الدولة، وينتقل المجتمع تدريجياً من قوانين الحق والمواطنة إلى قوانين القوة والولاء الضيق.

والسؤال الأكثر استفزازاً الذي يواجه وعينا اليوم ليس:

هل اختفت العصبية القبلية من واقعنا يوماً؟

بل:

هل كانت طوال الوقت تدير فصامنا الجماعي من داخل مؤسساتنا، خلف قناع الدولة الزائف؟ إن هذا التآكل في هيبة الدولة وتحللها إلى كيانات عائلية وعرقية ضيقة يدفع الفرد نحو ذعر وجودي عميق، وحين يفقد الإنسان ثقته بالمؤسسات يبدأ بالبحث عن سقف نفسي بديل، لتتحول الهوية من مساحة انتماء إلى زنزانة سيكولوجية تلتهم أمنه الثقافي والإنساني.

الباحث محمود اسماعيل

وفي الحلقة القادمة سنعبر إلى الجرح الأكثر عمقاً في هذا التحلل:
سجن الهوية والانتماء العرقي: حين تتحول الهوية من جسر للتواصل إلى سور للعزل والإقصاء المتبادل.

جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute. لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر. الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.