من الهامش إلى المسار: تفكيك الجنوح والهوية والاندماج لدى الشباب المهاجر في أوروبا
الموسم الأول: «من الضحية إلى الفاعل: تفكيك أسطورة البراءة المطلقة»
الحلقة الأولى: أسطورة “المادة”: هل يصنع الفقر مجرمين في دولة الرفاه
لؤي نزيه الضاهر
31.05.2026

مقدمة

هذا المقال جزء من سلسلة «من الهامش إلى المسار: تفكيك الجنوح والهوية والاندماج لدى الشباب المهاجر في أوروبا»، وهي سلسلة تحليلية تسعى إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين الهجرة، والهوية، والتهميش، والجنوح، من خلال قراءة سوسيولوجية تتجاوز التفسيرات الاختزالية، وتحاول فهم كيف تتشكل مسارات الشباب بين الانحراف والصمود داخل المجتمعات الأوروبية المعاصرة.

الافتتاحية الفكرية

كيف يمكن لدولة توفر التعليم المجاني، والرعاية الصحية، والمساعدات المالية الشاملة، وشبكات الحماية الاجتماعية الواسعة، أن تستمر في مواجهة ظواهر مقلقة ترتبط بجنوح بعض الشباب وانخراطهم في العنف أو السلوكيات الخطرة داخل بعض البيئات الحضرية الهشة؟

للوهلة الأولى، يبدو السؤال متناقضاً ويصدم العقل الرعائي المعاصر. فمنطق “دولة الرفاه” يقوم على افتراض بنيوي حتمي: إذا أمّنت الدولة الاحتياجات المادية الأساسية وخففت الضغط الاقتصادي عن الأفراد، فإن احتمالات الإقصاء والانحراف سوف تتراجع تلقائياً.

ولسنوات طويلة، بدا هذا الافتراض منطقياً من الناحية التاريخية؛ فالجوع، والفقر المدقع، والحرمان من التعليم، كانت دائماً الوقود التقليدي للمشكلات الاجتماعية البنيوية. لكن الواقع السوسيولوجي في المجتمعات الإسكندنافية الحديثة، وفي النرويج تحديداً، يضعنا أمام صورة أكثر تعقيداً تفرض الخروج من المقاربات الكلاسيكية.

التحليل البنيوي

في النرويج، وعلى الرغم من وجود مؤسسات رفاه قوية، تكشف البيانات الرسمية الحديثة الصادرة عن مديرية الإحصاء النرويجية (SSB) استمرار فجوات اجتماعية وسلوكية بين بعض فئات الشباب من خلفيات مهاجرة، مع تقلص جزء مهم من هذه الفوارق عند ضبط المتغيرات المرتبطة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي وسوق العمل (SSB, 2024).

هذا المعطى ينقل التفسير فوراً من “الخلفية الإثنية أو الثقافية الوافدة” إلى الشروط البنيوية المحيطة بها.

في علم الاجتماع الجنائي المعاصر، لم يعد التفسير يتوقف عند حدود “الفقر المطلق”، بل ينتقل إلى مفهوم أكثر رصانة وإجرائية: الحرمان النسبي (Relative Deprivation).

فالمراهق الذي ينشأ في بيئة حضرية هشة داخل مجتمع مرتفع الرفاه لا يقارن مستواه المعيشي بفقراء العالم، بل يقارن موقعه الاجتماعي بالواقع الاستهلاكي المرتفع المحيط به.

كما تشير بيانات حديثة إلى استمرار ارتفاع نسبة الأطفال الذين يعيشون ضمن أسر ذات دخل منخفض مستمر داخل النرويج، رغم قوة منظومة الرفاه (SSB, 2024).

الفقر هنا لا يعمل كحرمان مادي من الطعام، بل يعمل كأداة لإنتاج الإقصاء الرمزي؛ حيث تتسع الفجوة بين تطلعات الشباب المشروعة للحصول على المكانة والتقدير، وبين قدرتهم على الوصول إلى الأدوات التي تمنحهم ذلك داخل بنية اجتماعية مرتفعة التنافسية.

وهنا يصبح السؤال متعلقاً بآليات الاعتراف والانتماء الرمزي أكثر من كونه متعلقاً بالحاجات المعيشية الجافة.

التفكيك التفاعلي

لكن هنا تحديداً تبرز الحاجة إلى اختراق التابوهات التفسيرية السائدة.

تكتفي بعض الخطابات البنيوية بتحويل الفقر إلى شماعة مريحة تُلغي فاعلية الفرد، وتحول المراهق إلى ضحية مسلوبة الإرادة تستجيب آلياً للضغط البنيوي.

وبالمقابل، تسقط بعض الخطابات الثقافوية في فخ إدانة الخلفيات الثقافية بوصفها منتجاً ثابتاً للجنوح.

الحقيقة التي يغفلها الطرفان هي أن:

الفقر قد يفتح باب الجنوح كعامل خطر بنيوي، لكنه لا يملك القوة القانونية أو الأخلاقية لإجبار أحد على عبوره.

والدليل الحاسم أن دراسات الأحياء والموارد الاجتماعية لدى الشباب المهاجر تظهر أن التعرض لبيئات تحتوي على موارد تعليمية ورأس مال اجتماعي أعلى ارتبط بانخفاض الانخراط في الجريمة وارتفاع احتمالات الاستمرار التعليمي (Hermansen, 2023).

لماذا ينحرف إذاً من ينحرف؟

الجنوح هنا ليس انفجاراً غريزياً للفقر، بل هو مسار تنتجه الفاعلية المقيدة (Bounded Agency) للفرد كفاعل اجتماعي يتحرك داخل بنيته.

عندما تتحول بعض السياسات الرعائية إلى آليات إجرائية تركز على إدارة المؤشرات المادية أكثر من بناء الروابط الاجتماعية والمعنى والانتماء، ومع تآكل بعض آليات الضبط الأسري والمدرسي، تظهر مساحات فراغ اجتماعي بديلة.

في هذه اللحظة، قد تتحول ثقافة الشارع الفرعية (Street Culture) إلى سوق موازٍ للاعتراف؛ تمنح الشاب ما يراه نفوذاً سريعاً، ومكانة فورية، وتقديراً قائماً على القوة والخوف، كبديل عن قنوات الاعتراف التقليدية.

إنه مسار بديل يلتف على العقد الاجتماعي العام وسيادة القانون من أجل تعويض غياب التقدير الرمزي.

الخاتمة

إن أسطورة “المادة” التي قامت عليها هندسة دولة الرفاه طويلاً تتهاوى عند عتبات الأحياء الحضرية الهشة.

لقد افترضت بعض السياسات الرعائية أن تأمين المعيشة المادية وحده كافٍ لإنتاج مواطن مندمج ومسؤول، متغافلة عن أن المعالجة المادية الجافة قد تعمق الحرمان الرمزي إذا لم ترافقها سياسات تبني المعنى والانتماء والمسؤولية المشتركة.

الجنوح المبكر ليس قدراً اقتصادياً ثابتاً، بل هو محصلة تفاعلية معقدة:

ضغوط بنيوية

فاعلية فردية مقيدة

ثقافات فرعية بديلة

ونجاح أو فشل بعض آليات المؤسسة

وربما لا يبدأ الانحراف من الشارع كما نظن؛ بل يبدأ في اللحظة التي نتوهم فيها أن تأمين معيشة الإنسان يغنيه عن البحث عن المعنى، والاعتراف، والانتماء المسؤول.

المقال التالي:

الحلقة الثانية

مفارقة الصمود: لماذا لا ينحرف الجميع في الحي نفسه؟

جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.