السوريون في فرنسا واللائكية
كيف تعكس نقاشات التواصل الاجتماعي سوء فهم لحياد الدولة؟
مقال للأستاذة نهلة نوريان نعنع
23.05.2026

في نقاشات متداولة على صفحات التواصل الاجتماعي بين سوريين في أوروبا، يُقدَّم النموذج الفرنسي بوصفه تضييقاً على الدين. لكن بين الانطباعات الشائعة والنصوص القانونية، تظهر فجوة في فهم اللائكية بوصفها تنظيماً للمجال العام لا إلغاءً للمعتقد.
“أوروبا تطلق رصاصة الرحمة على التعددية الثقافية وتضع مسماراً في نعش الحريات الدينية وتقول هويتنا المسيحية خط أحمر… فرنسا لا تعترف بالدين وتقول اتركوا عقائدكم في بيوتكم ومن يريد العيش كفرنسي عليه أن يضع دينه في قلبه وليس في الفضاء العام… واعتبار الحجاب رمز للانفصال ويهدد وحدة المجتمع”. بهذه العبارات، وغيرها مما ورد في منشورات متداولة بين سوريين مقيمين في فرنسا وعدة دول أوروبية، يُقدَّم ما يجري اليوم في بعض البلدان الأوروبية على أنه بداية مرحلة إقصاء للدين، بل ومحوٍ للهوية الإسلامية.
هذا الطرح، بصيغته الحادة، يعكس قلقاً حقيقياً لدى شريحة من السوريين في المهجر، لكنه يستحق قراءة أهدأ تستند إلى الوقائع والنصوص كما هي، لا كما تُختصر في منشور متداول. فالسؤال ليس إن كان هناك جدل قائم حول موقع الدين في المجال العام، بل ما إذا كان ما يحدث يُعدّ بالفعل “منعاً للأديان”، أم أنه جزء من نموذج مختلف في تنظيم العلاقة بين الدولة والدين.
ومن المهم الإشارة إلى أن العبارات المتداولة بصيغتها الحادة، مثل “اتركوا عقائدكم في بيوتكم” أو “ضعوا دينكم في قلوبكم لا في الفضاء العام”، لا تَرِد بهذه الصيغة الحرفية في نصوص رسمية أو بيانات حكومية جامعة. فالقوانين الفرنسية المتعلقة باللائكية وتنظيم المجال العام تُصاغ بلغة قانونية عامة تتحدث عن حياد الدولة وتنظيم المظاهر الدينية في المؤسسات العامة، دون استخدام هذه التعبيرات المباشرة. وهذا لا يلغي وجود جدل سياسي حول الموضوع، لكنه يميز بين النصوص الرسمية وبين الصياغات المتداولة في النقاش العام.
جميع الدول الأوروبية تقريباً تنص في دساتيرها على حماية حرية الدين. كما تؤكد الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، في مادتها التاسعة، حق كل إنسان في حرية الفكر والضمير والدين، بما في ذلك حرية إظهار دينه بالتعبد والممارسة والتعليم. هذه ليست شعارات سياسية، بل مبادئ مؤسِسة للنظام العام في أوروبا.
الحالة الفرنسية تُطرح غالباً بوصفها المثال الأوضح على “التشدد”. لكن فهمها يقتضي العودة إلى جذورها التاريخية. مفهوم اللائكية (Laïcité) لم ينشأ في مواجهة الإسلام، بل في سياق صراع طويل بين الدولة والكنيسة الكاثوليكية في القرن التاسع عشر. قانون عام 1905 الخاص بفصل الدين عن الدولة جاء في هذا السياق تحديداً، إذ لم يكن الإسلام آنذاك مكوّناً حاضراً في المجتمع الفرنسي بالشكل الذي نعرفه اليوم.
غير أن الصياغة القانونية للقانون لم تُكتب ضد دين بعينه، بل جاءت عامة ومجردة. فالمادة الأولى تنص على أن “الجمهورية تكفل حرية الضمير وتضمن حرية ممارسة الشعائر”، بصيغة تشمل جميع الديانات دون تحديد. كما تؤكد المادة الثانية أن “الجمهورية لا تعترف ولا تموّل أي شعيرة دينية”. قد يكون السياق التاريخي مرتبطاً بالكنيسة الكاثوليكية، لكن النص القانوني نفسه صيغ ليؤسس لمبدأ حياد الدولة تجاه جميع الأديان دون استثناء.
وعندما أصدرت فرنسا عام 2004 قانوناً ينظم ارتداء الرموز أو الملابس التي تُظهر انتماءً دينياً في المدارس الحكومية، لم يُذكر دين بعينه في نص القانون. المنع شمل الحجاب كما شمل الصليب الكبير والقلنسوة اليهودية وأي رمز ديني ظاهر. المعيار لم يكن هوية الرمز، بل طبيعة المؤسسة العامة التي يُراد لها أن تبقى محايدة. كذلك فإن القوانين المتعلقة بتنظيم تمويل المؤسسات الدينية أو اشتراط الشفافية لا تُصاغ بصيغة تستهدف ديناً محدداً، بل تُطبق على الجميع.
الفارق الجوهري هنا هو بين منع الاعتقاد وتنظيم المجال العام. فرنسا لا تمنع الإيمان، ولا تحظر إقامة الشعائر، ولا تمنع بناء دور العبادة ضمن الأطر القانونية، ولا تعاقب على الانتماء الديني. ما تنظمه هو حدود حضور الرمزية الدينية داخل مؤسسات الدولة الرسمية. قد يختلف البعض مع هذا النموذج، لكن وصفه بأنه “إلغاء للدين” لا يطابق الواقع.
من الطبيعي أن ينظر القادم من سياق سياسي مختلف إلى هذه السياسات بشيء من الحذر، خاصة إذا لم يعش سابقاً في نظام يُعرّف نفسه على أساس الحياد الصارم بين الدولة والأديان. كثير من السوريين لم يعيشوا في بيئة يكون فيها القانون هو المرجعية العليا التي تُطبَّق على الجميع دون تمييز، ولذلك قد تبدو بعض الإجراءات صارمة في ظاهرها، بينما هي في بنيتها جزء من منظومة مختلفة في تنظيم المجال العام. غير أن فهم هذا الإطار يساعد على قراءة ما يجري بعيداً عن التفسيرات التي ترى في كل تنظيم إعلاناً للعداء.
ليست هذه السطور دفاعاً عن أي دولة، ولا تبريراً لكل سياساتها، بل محاولة لتوضيح طبيعة المنظومة التي يعمل ضمنها المقيمون فيها. في فرنسا، يُقدَّم القانون بوصفه المرجعية العليا التي تُطبَّق على الجميع دون تمييز ديني أو طائفي. هذا الإطار قد يفرض التزامات في المجال العام، لكنه في المقابل يمنح حماية متساوية لكل فرد، أيًا كان دينه أو خلفيته.
الاندماج في هذا النظام لا يعني التخلي عن الإيمان، بل فهم حدوده في الفضاء العام. وهو فهم لا يُنتقص من الحرية الشخصية، بل ينظمها ضمن عقد اجتماعي يعتبر أن المجال العام مشترك بين جميع المواطنين.
المسألة في جوهرها ليست “منعًا للأديان”، بقدر ما هي اختلاف في فهم حدود الدين داخل المجال العام وطبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها. يمكن الاتفاق مع هذا النموذج أو نقده، لكن اختزاله في خطاب “إلغاء الدين” لا يساعد على فهمه. وبين القلق المشروع والوقائع الموثقة، يبقى من الضروري التمييز بين الانطباع وبين طبيعة النظام الذي اختارت هذه المجتمعات أن تنظّم نفسها على أساسه.
التعريف بالكاتبة:
أ. نهلة نوريان نعنع باحثة في تقاطعات السياسة و الاقتصاد و التكنولوجيا
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.