مصحف الشام: بين الرمزية الدينية وإدارة الانتباه في زمن الأزمات
تحليل سياسي-اجتماعي يقرأ حدث “مصحف الشام” ضمن سياق اقتصاد الانتباه، ويكشف كيف تُستخدم الرمزية الدينية لإعادة تشكيل إدراك الأزمات بدل معالجتها
الدين والسياسة
د. علي مطيع عيسى
4/20/2026


يأتي هذا المقال ضمن سلسلة “الشرعية تحت الضغط” التي ينشرها DAMI Institute، والتي تبحث في العلاقة بين الاقتصاد، والرمزية الدينية، وإعادة إنتاج الشرعية في السياقات المعاصرة، للدكتور علي مطيع عيسى
في الجزء الأول من هذه السلسلة، تم تحليل الكيفية التي يدفع بها الانكشاف الاقتصادي السلطات إلى استدعاء الدين كأداة لإعادة إنتاج الشرعية، من خلال تعويض التراجع في الأداء المادي بإنتاج فائض رمزي قادر على إعادة ضبط المجال الاجتماعي. ينطلق هذا المقال من تلك الفرضية، لكنه يسعى إلى نقلها من مستوى التحليل العام إلى مستوى الممارسة الفعلية، من خلال دراسة كيفية تحويل الرمزية الدينية إلى أداة لإدارة الانتباه العام، عبر إنتاج أحداث ذات كثافة رمزية عالية.
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع حدث “مصحف الشام” بوصفه مجرد مبادرة دينية أو مشروع ثقافي معزول عن محيطه. فقراءة هذا الحدث تقتضي النظر إليه ضمن شروط إنتاجه، وتحديداً توقيته، وسياقه الاقتصادي، والوظيفة التي يؤديها داخل المجال العام. إذ يظهر الحدث في لحظة تتسم بتصاعد الضغوط المعيشية، وتراكم الأزمات اليومية المرتبطة بتدهور القدرة الشرائية، وتراجع البنية الخدمية، واتساع الفجوة بين الواقع المعيشي والخطاب الرسمي. في مثل هذه الظروف، لا يعود التوقيت تفصيلاً ثانوياً، بل يتحول إلى عنصر تفسيري أساسي لفهم طبيعة الحدث.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة “مصحف الشام” ضمن ما يُعرف في أدبيات الاقتصاد السياسي بـ “اقتصاد الانتباه”، حيث تصبح القدرة على توجيه إدراك الجمهور وإعادة ترتيب أولويات النقاش العام أداة مركزية في ممارسة السلطة. في هذا الإطار، لا يُقدَّم الحدث الرمزي بوصفه استجابة مباشرة للأزمة، بل كوسيلة لإعادة توزيع الانتباه، بحيث ينتقل مركز الاهتمام من الضغوط المعيشية إلى حدث ذي حمولة دينية وثقافية عالية. هذه العملية لا تُلغي الأزمة، بل تعيد تأطيرها، وتحدّ من حضورها في المجال العام، دون أن تمسّ جوهرها المادي.
غير أن إنتاج الحدث بحد ذاته لا يكفي لتحقيق هذا التحول، إذ يتطلب الأمر بنية عرض متكاملة، تشمل الإخراج البصري، والتغطية الإعلامية، والخطاب المرافق، الذي يعيد ربط الحدث بالحاضر، ويمنحه دلالة تتجاوز طبيعته الأصلية. في هذه المرحلة، يتحول الحدث من واقعة إلى سردية، ومن منتج ثقافي إلى مورد سياسي، يُستخدم لإنتاج معنى بديل يعيد تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع. وهنا، لا يكون الهدف تقديم حلّ للأزمة، بل إعادة ترتيب إدراكها، بحيث تصبح أقل مركزية في النقاش العام.
هذا النمط من إدارة الأزمات لا يمكن اختزاله في مفهوم “الإلهاء” بالمعنى البسيط، إذ ينطوي على عملية أكثر تعقيداً يمكن توصيفها بـ “إعادة ترميز الأزمة”. فبدلاً من التعامل مع الأزمة بوصفها نتيجة لاختلالات في السياسات الاقتصادية، يتم نقلها إلى مستوى رمزي، حيث تصبح قابلة للاحتواء ضمن خطاب ديني أو ثقافي يعيد إنتاج الإحساس بالاستمرارية والسيطرة. وفي هذا السياق، لا يُلغى الواقع، بل يُعاد تنظيم حضوره داخل المجال العام.
مع ذلك، فإن فعالية هذه الاستراتيجية تظل محدودة زمنياً. فبينما يمكن للحدث الرمزي أن يخلق لحظة من الانشغال أو التماسك المؤقت، فإنه لا يستطيع أن يعوّض التدهور المستمر في الشروط المعيشية. ومع تكرار هذا النمط من التوظيف، تبدأ الفجوة بين الخطاب الرمزي والواقع المادي بالاتساع، ما يؤدي تدريجياً إلى تراجع قدرة الرمز على أداء وظيفته. في هذه المرحلة، يتحول الحدث نفسه من أداة لإدارة الانتباه إلى مؤشر على اختلال أعمق في بنية العلاقة بين السلطة والمجتمع.
بعبارة أخرى، يكشف تحليل “مصحف الشام” أن المسألة لا تتعلق بطبيعة الحدث بحد ذاته، بقدر ما تتعلق بالوظيفة التي يؤديها داخل سياق اقتصادي وسياسي محدد. فحين يُستخدم الرمز لإعادة ترتيب الانتباه بدلاً من معالجة الأسباب البنيوية للأزمة، فإن ذلك يعكس انتقالاً من إدارة الواقع إلى إدارة إدراك الواقع. غير أن هذا الانتقال، رغم ما يوفره من هامش مناورة على المدى القصير، يظل محكوماً بحدود واضحة، يفرضها الواقع المادي الذي لا يمكن إزاحته إلى الهامش إلى ما لا نهاية.
في ضوء ذلك، يطرح هذا التحليل سؤالاً مركزياً يتجاوز الحالة المدروسة: إلى أي مدى يمكن للسلطة أن تستمر في إدارة الأزمات عبر أدوات رمزية، في ظل تعمق الضغوط الاقتصادية واتساع الفجوة بين ما يُعرض في المجال العام وما يُعاش في الحياة اليومية؟
هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة “الشرعية تحت الضغط”.
لقراءة الجزء الأول:
"عندما ينهار الاقتصاد… يُستدعى الدين"
https://damiinstitute.org/economy-religion-legitimacy
التعريف بالكاتب
د. علي مطيع عيسى – سوريا
حاصل على دكتوراه في العلوم الاقتصادية ودكتوراه في العلوم السياسية
باحث في الاقتصاد السياسي الجيوسياسي، مهتم بقضايا الشرق الأوسط الجيوسياسية ومسائل الاقتصاد السياسي الثقافي
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.