عندما ينهار الاقتصاد… يُستدعى الدين: كيف تُدار الشرعية في زمن الأزمات؟

يأتي هذا المقال ضمن سلسلة تحليلية ينشرها مركز دامي، تتناول الكيفية التي تتحول من خلالها الرمزية الدينية إلى أداة في إدارة الأزمات وإعادة إنتاج الشرعية، في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية المعاصرة.

الاقتصاد السياسي

د. علي مطيع عيسى

4/13/2026

لا يمكن اختزال الأزمات الاقتصادية في مؤشرات رقمية أو تقارير مالية، إذ إن لحظات الانهيار العميق تكشف عن اختلال أكثر جوهرية يتمثل في عجز الدولة عن إعادة إنتاج الحياة اليومية لمواطنيها. في هذه المرحلة، لا تعود الشرعية السياسية مفهوماً نظرياً أو دستورياً، بل تتحول إلى مسألة عملية تتعلق بقدرة السلطة على الاستمرار في الحكم رغم تراجع قدرتها على تأمين الحد الأدنى من شروط العيش.

في هذا السياق، يفقد التحليل السياسي التقليدي جزءاً كبيراً من قدرته التفسيرية، لأن المسألة لا تعود مرتبطة بالسياسات أو التوازنات، بل بعلاقة أكثر مباشرة بين الواقع المعيشي والقبول بالحكم. فحين تتراجع قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد، لا تفقد السلطة شرعيتها فوراً، لكنها تدخل في مرحلة انتقالية تتسم بمحاولة التعويض عن هذا العجز عبر أدوات بديلة. وهنا تحديداً، يبدأ استدعاء الدين بوصفه مورداً رمزياً قابلاً للتوظيف.

من الانهيار المادي إلى التعويض الرمزي
عندما ينهار الأساس الاقتصادي للشرعية، تميل السلطة إلى البحث عن بدائل غير مادية تعيد من خلالها تنظيم العلاقة مع المجتمع. في هذا الإطار، يمكن الحديث عن عملية تعويض تقوم على تضخيم الرأسمال الرمزي بهدف احتواء آثار العجز الاقتصادي، دون معالجته بشكل مباشر.
لا يُستدعى الدين هنا لكونه مجرد مكوّن حاضر في البنية الاجتماعية، بل لكونه يمتلك قدرة عالية على إنتاج المعنى في لحظات القلق وعدم اليقين. فالدين يوفر إطاراً تفسيرياً يسمح بإعادة تأطير الأزمة، وتحويلها من مشكلة مادية قابلة للمساءلة إلى حالة يمكن احتواؤها ضمن خطاب رمزي.
غير أن هذا التحول لا يتم بشكل عفوي، بل من خلال عملية إعادة توظيف ممنهجة، يتم فيها نقل الدين من فضائه الإيماني إلى فضاء السلطة، ليصبح جزءاً من أدوات الحكم، لا مجرد تعبير عن قناعات المجتمع.

الدين بين المرجعية والأداة
في هذا المستوى، لا يعود الدين مرجعية أخلاقية أو ثقافية فحسب، بل يتحول إلى بنية رمزية تُستخدم في إنتاج الطاعة وإعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ويتم ذلك عبر تقديم خطاب يمنح السلطة بعداً يتجاوز المساءلة المباشرة، بحيث لا تُقاس شرعيتها بالأداء أو الكفاءة، بل بقدرتها على الاندماج ضمن إطار رمزي أوسع.
ورغم أن العلاقة بين الدين والسلطة ليست جديدة في التاريخ، فإن ما يميز السياقات المعاصرة هو شدة هذا التوظيف، وارتباطه المباشر بتراجع القاعدة الاقتصادية. فحين تصبح الموارد محدودة، يزداد الاعتماد على الرمز، وحين تتراجع القدرة على تقديم الحلول، يتم اللجوء إلى إنتاج سرديات بديلة تعيد تنظيم إدراك الواقع.

حدود التعويض الرمزي
قد تنجح هذه الاستراتيجية في المدى القصير، إذ يمكن للخطاب الرمزي أن يخلق حالة من التماسك المؤقت، أو أن يعيد توجيه الانتباه بعيداً عن الأزمة. غير أن هذا النجاح يظل بطبيعته مؤقتاً، لأنه لا يعالج الأسباب البنيوية التي أدت إلى نشوء الأزمة.
فالواقع المعيشي لا يختفي بفعل الخطاب، والضغوط اليومية المرتبطة بتأمين الاحتياجات الأساسية لا يمكن احتواؤها إلى ما لا نهاية ضمن سرديات رمزية. ومع تكرار هذا النمط من التوظيف، تبدأ الفجوة بين الخطاب والواقع بالاتساع، ما يؤدي تدريجياً إلى تراجع فعالية الرمز نفسه.
في هذه المرحلة، يتحول الرمز من أداة لضبط المجال العام إلى مؤشر على الاختلال، ويصبح الخطاب، بدل أن يكون وسيلة احتواء، دليلاً على عجز أعمق في بنية العلاقة بين السلطة والمجتمع.

عندما يصبح العرض بديلاً عن الواقع
ما يكشفه هذا المسار لا يقتصر على تسييس الدين، بل يتجاوز ذلك إلى إدخاله في دورة إنتاج رمزي تُستخدم لإدارة الأزمات بدلاً من مواجهتها. في هذا الإطار، لا يُستدعى الدين بوصفه قيمة، بل كأداة، ولا يُستخدم لإنتاج معنى بقدر ما يُستخدم لإعادة ضبط الإدراك.
غير أن هذا الاستخدام ينطوي على تناقض بنيوي واضح: فكلما ازداد الاعتماد على ما يُعرض في المجال العام، ازداد انكشاف ما يُعاش في الواقع اليومي. ومع تعمق هذا التناقض، تصبح قدرة الخطاب على الإقناع أكثر هشاشة، ويصبح التحكم في المعنى غير كافٍ لتعويض غياب الأداء.

خاتمة:
لا تتعلق الإشكالية بالدين في حد ذاته، بل بكيفية توظيفه داخل بنية السلطة. فالسؤال لا يكمن في ما إذا كان الدين قادراً على منح الشرعية، بل في حدود هذا الدور عندما يُستخدم كبديل عن الأساس المادي للحكم.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال يصعب تأجيله:
إلى أي مدى يمكن للسلطة أن تستمر في الحكم، حين تصبح الشرعية مبنية على ما يُعرض في المجال العام، لا على ما يُعاش في الواقع اليومي؟

(هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة بحث "بين تسليع المقدّس وإدارة الشرعية").

تعربف بالكاتب:
د. علي مطيع عيسى – سوريا
حاصل على دكتوراه في العلوم الاقتصادية ودكتوراه في العلوم السياسية
باحث في الاقتصاد السياسي الجيوسياسي، مهتم بقضايا الشرق الأوسط الجيوسياسية ومسائل الاقتصاد السياسي الثقافي


جميع الحقوق محفوظة © DAMI Senter.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Senter.