حين يتحول الوطن إلى فندق والمواطن إلى مستأجر: تراجع الانتماء للأرض وسقوط المنظومة القيمية
أزمة الهوية وزحف اللاقيم: تشريح مجتمع يتآكل من الداخل – الحلقة السادسة
DAMI Institute
26.06.2026

هذا المقال جزء من سلسلة: أزمة الهوية وزحف اللاقيم: تشريح مجتمع يتآكل من الداخل – الحلقة السادسة
يندرج هذا المقال ضمن مشروع تحليلي أوسع يقدّمه DAMI Institute في إطار سلسلة تفكيكية تتناول تحولات المجتمع والهوية والإنسان المعاصر من منظور سوسيولوجي ونقدي. وقد انطلقت اللبنات الأولى لهذا المشروع من الأفكار والمحاور الواردة في أبحاث ودراسات الدكتور محمود إسماعيل، التي شكّلت أرضية فكرية مهمة لفتح أسئلة جديدة وتوسيعها وربطها بسياقات نظرية وفلسفية معاصرة.
ليست أخطر الكوارث التاريخية والبنيوية التي تهدد الوجود الجمعي هي تلك التي تخسر فيها المجتمعات حروبها العسكرية، أو تواجه انهيارات اقتصادية عابرة؛ فالتاريخ الإنساني يزخر بأمم نهضت راديكالياً من تحت الأنقاض، وأعادت ترميم هياكلها الفيزيائية ومؤسساتها السياسية. الكارثة الوجودية الحقيقية تبدأ حين يصاب المجتمع بـ «الاغتراب عن الأرض»؛ حين يفقد الفرد علاقته الروحية والمفهومية بالمكان، ويتآكل الرابط الأخلاقي البنيوي الذي يحول المساحة الجغرافية الصامتة إلى “وطن” يحمل معنى الوجود، والانتماء، والمصير المشترك.
إننا نعيش اليوم المظهر الأكثر خطورة لتآكل الروح المجتمعية: تحول الوطن من قيمة وجودية عليا إلى مساحة استهلاك مؤقتة، وانكفاء المواطن من شريك في المصير إلى «مستأجر عابر» يبحث عن أفضل شروط الإقامة والرفاه.
إن الوهم السائد والمكرس في الوعي الجمعي يختزل الوطنية في مظاهر قشرية؛ كالشعارات الفضفاضة، والخطابات العاطفية، والأناشيد الحماسية، والرموز البصرية. بينما يكشف التفكيك البنيوي أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بحجم الاستهلاك اللفظي، بل بحجم المسؤولية التي يشعر بها الإنسان تجاه المصلحة العامة. فالوطن لا يكتسب شرعيته الوجودية لمجرد أن الناس وُلدوا فوق ترابه، بل لأنه يتحول في وعيهم إلى مشروع أخلاقي ومعرفي يربط مصائر الأفراد ببعضهم البعض عبر إنتاج الثقة المتبادلة.
لكن ماذا يحدث حين تنفجر البنية التحتية لهذا النسق؟ ماذا يحدث حين يتحول جهاز الدولة من دولة مؤسسات وحقوق إلى «دولة مكارم ومنح» تكافئ الولاء الفرعي وتعاقب الكفاءة المنتجة؟
هنا يتجلى الانزلاق الصامت؛ إذ يتوقف الفرد عن رؤية نفسه بوصفه صانعاً وشريكاً في بناء المكان، ويبدأ بالنظر إلى الوطن بمنطق الاقتصاد الريعي ذاته. لا يعود يسأل: «ماذا يمكنني أن أقدم لوطني؟» بل ينحصر وعيه الطفيلي في سؤال واحد: «ماذا يمكنني أن أستخرج من هذا الوطن؟» وفي هذه اللحظة تتحول العلاقة البنيوية بين الإنسان والأرض من علاقة انتماء ومسؤولية إلى عقد منفعة واستهلاك مؤقت؛ يصبح الوطن فندقاً كبيراً، وتتحدد الوطنية بمستوى الخدمات الممنوحة، ويصبح الانتماء قابلاً للإلغاء والفسخ فور ظهور عرض إقامة أفضل في جغرافيا أخرى.
إن هذا التحول من المواطنة إلى الاستئجار ليس مجرد انحراف نفسي أو خلل أخلاقي طارئ، بل يمتلك جذراً مادياً واقتصادياً عميقاً فككه فريدريك أنجلس في أطروحته حول بنية الدولة والملكية؛ فحين تتمركز الثروة والامتيازات في يد شبكات العصبية والولاء الضيق، يشعر الفرد بالاغتراب التام عن أدوات الإنتاج وعن جهاز الدولة الذي يُفترض أن يمثله. يتحول الفرد هنا إلى مغترب في وطنه، ويتصرف كـ “مستأجر” لا يهمه ترميم البناء أو الحفاظ عليه، لأنه يعلم في أعماقه أنه لا يملك في هذا البناء حصة حقيقية قائمة على الاستحقاق والكفاءة.
وهنا تلتقي الأزمة مع تآكل العقد الاجتماعي الذي صاغه جان جاك روسو؛ فحين تتلاشى «الإرادة العامة» لصالح المصالح الفئوية والعصبيات الضيقة، ينهار العقد الضمني الذي يربط المواطن بالدولة، وتتحول الدولة تلقائياً من فضاء للمواطنة الحرة إلى ساحة غنائم مفتوحة.
لقد شخّص ابن خلدون هذه الدورة الانحلالية بدقة مدهشة حين ربط انهيار العمران بمرحلة الترف القائم على الاستسهال؛ فالترف لا يُنتج فقط وفرة مادية، بل ينهك أيضاً ما يمكن تسميته بالقيم الصعبة: الصبر، والإتقان، والمسؤولية، والعدالة. ومع موت هذه القيم يتعطل إنتاج الثقة الاجتماعية بين الأفراد، وبلا هذه الثقة لا تقوم مؤسسة، ولا تصمد دولة، ويتحول المجتمع تدريجياً من جماعة تحمل مشروعاً حياً إلى حشد من الأنانيين المتجاورين تحكمهم المصالح العابرة.
إن الفجيعة الكبرى تكمن في أن المجتمع لا يفقد وطنه في اللحظة التي يجتاحه فيها عدو خارجي، بل يفقده قبل ذلك بوقت طويل؛ في اللحظة التي يموت فيها الإيمان بالصالح العام، وتتحول الأنانية الفردية إلى ثقافة سائدة، حيث يصبح الجميع منشغلين بتأمين حصصهم الخاصة من سفينة يدركون في أعماقهم أنها تغرق.
والسؤال الأكثر صدمة واستفزازاً لوعينا الراكد اليوم ليس:
هل سقطت الأوطان من حساباتنا لأنها عجزت عن حمايتنا؟
بل:
أم أننا نحن من حولناها بانتهازيتنا الفجة وفصامنا اليومي إلى فنادق مؤقتة نقتات على مكارمها ونستعد لمغادرتها عند أول بادرة خطر؟
إن هذا التآكل الشامل في العقل، والاقتصاد، والدولة، والمنظومة القيمية، يضع مجتمعاتنا أمام لحظة الحقيقة العارية.
وفي الحلقة القادمة والأخيرة من هذه السلسلة، لن نكتفي بمسح الأوحال عن المرآة، بل سنقف أمامها بلا أقنعة لنواجه الإشكال المفصلي:
«بيان الشجاعة والاعتراف: كيف نكسر سجون الهوية ونبني قيم الممارسة بدل عبادة الأقنعة؟»
الباحث الدكتور محمود اسماعيل
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute. لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر. الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.