سبتة: حين يصوّت الشباب بأقدامهم
الحلقة الأولى من سلسلة: «حين يصبح البحر أقل خطراً من الوطن»
لماذا تتحول الهجرة من قرار فردي إلى حلم جماعي؟
إعداد: لؤي الضاهر
29.08.2026

ملاحظة تحريرية:
تستند هذه السلسلة إلى الورقة البحثية رقم 04/2026 الصادرة عن DAMI Senter بعنوان «لا يحتاج الوطن إلى حرب كي يهرب منه أبناؤه: من مفارقة التنمية والهجرة إلى الاختيار العقلاني لدى الشباب في دولة لا تعيش حرباً ولا انهياراً – المغرب وأزمة سبتة 2026». وتعيد السلسلة تقديم عناصر مختارة من إطارها النظري وتحليلها ومصادرها بلغة تحليلية موجهة إلى القارئ العام. ولا تمثل مقالات السلسلة فصولاً من الورقة البحثية أو بديلاً عنها، بل مقالات مستقلة مؤسسة على الدراسة الكاملة.
في أواخر يوليو/تموز 2026، لم تكن الصور القادمة من سبتة تعرض حادثةً حدوديةً عاديةً. عشرات الآلاف تحركوا براً وبحراً نحو المدينة الإسبانية الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب، وسط تقديرات متباينة تراوحت بين نحو 40 ألف مشارك وفق السلطات المغربية ونحو 72 ألف عابر وفق تقديرات إسبانية لاحقة. امتلأت الشواطئ والطرق المؤدية إلى الحدود، وانتشرت مقاطع الفيديو بسرعة، وسقط ضحايا، وتحولت المدينة خلال أيام قليلة إلى مركز استنفار أمني، وإنساني، وسياسي واسع.
كان السؤال المباشر هو: كيف يمكن إيقافهم؟ لكن هذا السؤال، على أهميته، يبدأ من اللحظة الأخيرة في القصة. فالسؤال الأسبق والأكثر إزعاجاً هو: لماذا كان هذا العدد من الأشخاص مستعداً أصلاً للاستجابة إلى فرصة المغادرة؟ وما حجم التغيير الذي يجب أن يحدث في تقييم الإنسان لحياته حتى يصبح خطر البحر أقل ردعاً من احتمال البقاء؟
إن التركيز على الحدود وحدها يجعل ما حدث يبدو كأنه بدأ عندما نزل الناس إلى الماء. غير أن الهجرة لا تبدأ دائماً عند الشاطئ، بل قد تبدأ قبل ذلك بسنوات، عندما يتوقف الفرد تدريجياً عن النظر إلى المكان الذي يعيش فيه بوصفه المساحة الأكثر قابليةً لبناء مستقبله. وعندما تظهر فرصة مفاجئة، لا تكون هي التي صنعت الرغبة من الصفر، وإنما قد تكون قد منحت رغبةً سابقةً منفذاً للتحول إلى فعل.
من هذه الزاوية، لا تمثل سبتة مجرد أزمة عبور، بل لحظةً أصبح فيها استعداد اجتماعي موزع بين الأفراد مرئياً في صورة حركة جماعية.
الشرارة لا تفسر وجود الوقود
سبق موجة العبور حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو/تموز 2026، أكد أن النظام القانوني الخاص بالرفض عند الحدود لا يسمح بإعادة الأشخاص فورياً عندما يحاولون الوصول إلى سبتة أو مليلية سباحةً. دخل الحكم سريعاً في البيئة المعلوماتية المحيطة بالأزمة، وانتشرت تفسيرات توحي بأن الوصول إلى سبتة قد يمنح العابرين فرصةً أكبر للبقاء. وتزامن ذلك مع تداول أخبار وشائعات ومقاطع فيديو أظهرت نجاح أشخاص في الوصول، ما عزز الاعتقاد بأن نافذةً استثنائيةً قد فُتحت.
يساعد ذلك على تفسير توقيت الحركة، لكنه لا يفسر وحده وجود عشرات الآلاف من المستعدين للاستجابة إليها. فالحكم القضائي، أو الإشاعة، أو التغير الفعلي، أو المتصور في الرقابة الحدودية، قد يفسر لماذا تحرك الناس في ذلك الأسبوع تحديداً، لكنه لا يفسر لماذا كانت المغادرة مرغوبةً لديهم قبل ظهور الفرصة.
الشرارة قد تفسر لحظة الاشتعال، لكنها لا تفسر وجود الوقود.
تشير الأدلة السابقة لأزمة سبتة إلى أن التفكير في الهجرة كان حاضراً بالفعل بين فئات واسعة من الشباب المغربي. ففي الموجة الثامنة من «البارومتر العربي»، أفاد 55 في المئة من المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة بأنهم سبق أن فكروا في الهجرة من بلدهم، مقارنةً بـ24 في المئة ممن تبلغ أعمارهم 30 سنة فأكثر. ولا تعني هذه النسبة أن جميع هؤلاء كانوا ينوون المغادرة فعلياً، لكنها تكشف أن فكرة الخروج لم تولد على شاطئ سبتة في صيف 2026.
كما أظهرت دراسات سابقة للأزمة حضور مشروعات الهجرة داخل تصورات الشباب المغربي للمستقبل، وربطتها بتعثر الانتقال إلى الاستقلال، والهشاشة، وضعف الفاعلية، والشبكات الاجتماعية، وتراجع الثقة بقدرة المسار المحلي على إنتاج حياة مستقرة. ووثق الباحث رضوان بن حروس، من خلال دراسته للخطاب الرقمي المغربي في سنوات سبقت الأزمة، حضور مفهوم Lharba، أي الهروب أو الفرار، داخل لغة شبابية تربط الهجرة بالاغتراب وعدم الرضا وتصورات المستقبل.
كانت اللغة الاجتماعية التي تجعل الخروج قابلاً للتصور موجودةً قبل أن تظهر فرصة العبور بسنوات.
وتؤكد بيانات سوق العمل وجود سياق ضاغط بصورة خاصة على الشباب؛ إذ بلغ معدل البطالة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة خلال الفصل الثاني من عام 2026 نحو 27,2 في المئة، بينما وصل المؤشر الأوسع للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة لدى الشباب إلى 41,7 في المئة، وفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط. لكن هذه الأرقام، على خطورتها، لا تعني أن البطالة تفسر وحدها ما حدث في سبتة. ولو كان الفقر أو البطالة تفسيراً كافياً، لاستطعنا توقع من سيهاجر ومتى سيتحرك بمجرد النظر إلى المؤشرات الاقتصادية، وهو ما لا تسمح به الأدلة.
ما تكشفه هذه المعطيات هو وجود شروط سابقة تجعل الهجرة قابلةً للتفكير، أما تحويل هذا التفكير إلى حركة فعلية فيحتاج إلى مستوى تفسيري آخر.
من الرغبة الفردية إلى الحركة الجماعية
لفهم هذا الانتقال، ينبغي الفصل بين تكوين التطلع إلى الهجرة وتفعيل الحركة. فالعوامل التي تجعل الإنسان يفكر في المغادرة ليست بالضرورة العوامل نفسها التي تجعله يتحرك في يوم محدد. قد يعيش الفرد سنوات وهو يرى الخارج بديلاً أفضل، لكنه لا يمتلك المال، أو المعلومات، أو الطريق، أو الجرأة اللازمة للمحاولة. وفي المقابل، قد يظهر طريق مفتوح أمام شخص لا يرغب أصلاً في الهجرة فلا يستجيب إليه.
يساعد إطار «التطلعات والقدرات» الذي طوّره هاين دي هاس على فهم هذا الفرق. فالرغبة في الحركة لا تساوي القدرة على تنفيذها، وامتلاك القدرة لا يعني وجود الرغبة. وبين التطلع والفعل تقف قيود قانونية ومادية واجتماعية ومعلوماتية قد تجعل الهجرة مرغوبةً لكنها غير ممكنة، أو ممكنةً لكنها غير مرغوبة.
في حالة سبتة، يمكن تنظيم الانتقال من التطلع السابق إلى الحركة الجماعية من خلال نموذج تحليلي يتكون من ثلاث حلقات: الاستعداد، والفرصة، والشلال.
يشير الاستعداد إلى وجود تقييم سابق يجعل المغادرة خياراً قابلاً للتصور. وهو لا يعني أن كل مشارك كان قد اتخذ قراراً نهائياً أو وضع خطةً مكتملةً، بل يعني أن فكرة الخروج كانت موجودةً داخل مخيلته بوصفها طريقاً محتملاً لتغيير حياته.
أما الفرصة فتظهر عندما يعتقد الفرد أن أحد القيود التي كانت تمنعه قد انخفض. وقد تكون الفرصة حقيقيةً أو متصورةً؛ فالسلوك لا يتحدد فقط بما يحدث فعلياً عند الحدود، بل بما يعتقد الناس أنه يحدث. الحكم القضائي، أو خبر عن تراجع الإعادة الفورية، أو مقطع يُظهر شخصاً نجح في الوصول، يمكن أن يغيّر تقدير الفرد لإمكان العبور، حتى لو كانت المعلومات المتداولة ناقصةً أو مبالغاً فيها.
ثم يأتي الشلال الاجتماعي والمعلوماتي. عندما يتحرك المشاركون الأوائل وتظهر نتائج أفعالهم، تتحول قراراتهم إلى معلومات يستخدمها الآخرون. الشخص الذي يشاهد عشرات الأشخاص يعبرون لا يملك بالضرورة معلومات كاملةً عن القانون أو المخاطر أو احتمالات البقاء، لكنه يرى أن آخرين، ربما يشبهونه في العمر والظروف، قرروا المحاولة ونجح بعضهم في الوصول. ومع كل نجاح مرئي، قد تنخفض عتبة المشاركة لدى أشخاص آخرين.
لا يعني ذلك أن الناس يفقدون قدرتهم على التفكير ويتحولون إلى قطيع، وإنما يعني أن قرارات الآخرين تصبح مصدراً للمعلومات في لحظة يسودها عدم اليقين. الفرد لا يعرف على وجه الدقة ما الذي سيحدث إذا تحرك، ولذلك يراقب من سبقه. وكلما ازداد عدد المشاركين، أصبح الامتناع عن الحركة بحاجة إلى قرار جديد أيضاً: هل أتجاهل فرصةً يبدو أن الآخرين يستفيدون منها؟ وهل سأندم إذا أغلقت النافذة بعد ساعات؟
تساعد نظريات عتبات السلوك الجمعي والشلالات المعلوماتية على تفسير هذه العملية. فالناس لا يملكون العتبة نفسها للمشاركة؛ بعضهم مستعد للتحرك مبكراً، بينما يحتاج آخرون إلى رؤية عدد أكبر من المشاركين أو إلى دليل أقوى على إمكان النجاح. وعندما ينجح المشاركون الأوائل في تجاوز عتبات متتالية، يمكن للحركة أن تتسارع بصورة لا تتناسب ظاهرياً مع الشرارة التي أطلقتها.
بهذا المعنى، لم تصنع مقاطع الفيديو أو الشائعات الرغبة الأصلية في الهجرة، لكنها استطاعت أن تختصر المسافة الزمنية بين الرغبة والفعل. وقد أدى الهاتف هنا وظيفتين مختلفتين: وظيفةً طويلة المدى تجعل الخارج حاضراً باستمرار داخل حياة الشباب، ووظيفةً قصيرة المدى تنقل معلومةً عن طريق أو فرصة وتسمح بمراقبة نتائج قرارات الآخرين لحظةً بلحظة.
هل كان ما حدث تصويتاً بالأقدام؟
لا ينبغي فهم عبارة «التصويت بالأقدام» بمعناها الحرفي، ولا اعتبار كل من تحرك نحو سبتة محتجاً سياسياً أو صاحب موقف واحد من الدولة والمجتمع. المشاركون لم يكونوا كتلةً متجانسةً، ولا تسمح الأدلة المتاحة باعتبارهم عينةً ممثلةً لجميع الشباب المغربي. كما لا يمكن اختزال قراراتهم في دافع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي واحد.
لكن الحركة، بحجمها وسرعتها، تحمل دلالةً اجتماعيةً يصعب تجاهلها. فعندما يستجيب عدد كبير من الأشخاص إلى فرصة قصيرة الأمد للخروج، فإن ما يظهر ليس مجرد ثغرة في الحدود، بل تراجعاً لدى بعضهم في القيمة المتصورة للبقاء. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الهجرة الجماعية، بحذر، بوصفها شكلاً من أشكال الخروج عندما يصبح المستقبل المحلي أقل قدرةً على منافسة المستقبل المتخيل في الخارج.
ليس معنى ذلك أن الوطن «لم يقدم شيئاً» لجميع من غادروا، أو أن أوروبا ستمنحهم بالضرورة الحياة التي يتوقعونها. المسألة هنا ليست مقارنةً موضوعيةً بين حياتين، بل مقارنة بين احتمالين داخل مخيلة الفرد: من يمكن أن أصبح إذا بقيت؟ ومن أعتقد أنني قد أصبح إذا غادرت؟
عندما تميل الإجابة بصورة حادة إلى الاحتمال الثاني، ترتفع قيمة الخروج، حتى لو ارتفعت مخاطره.
تستطيع الدولة أن تغلق الحدود، وأن تمنع طريقاً خطراً، وأن تفكك شبكات التهريب، وأن تصحح المعلومات المضللة. وهذه إجراءات ضرورية لحماية الأرواح وتنظيم الحركة. لكنها تستطيع خفض القدرة على المغادرة من دون أن تخفض بالضرورة الرغبة فيها. فإغلاق النافذة لا يلغي الاستعداد الذي جعل آلاف الأشخاص يستجيبون إليها عندما اعتقدوا أنها فُتحت.
لهذا لا يمكن تقييم نجاح السياسة من خلال عدد من مُنعوا من العبور فقط. هناك فرق بين دولة قادرة على منع أبنائها من المغادرة ودولة قادرة على جعل البقاء مقنعاً لهم. الأولى تضبط الحركة عند نهايتها، أما الثانية فتتعامل مع الأسباب التي بدأت قبل الوصول إلى الحدود بسنوات.
لم تثبت أزمة سبتة أن جميع الشباب المغربي يريدون الرحيل، لكنها كشفت أن القيود القائمة في الظروف العادية قد تخفي جزءاً من الاستعداد للهجرة لأنها تمنعه من التحول إلى سلوك. وعندما انخفض أحد هذه القيود، أو اعتقد الناس أنه انخفض، أصبح ذلك الاستعداد أكثر وضوحاً.
من هنا لا ينبغي النظر إلى سبتة بوصفها بداية المشكلة، بل بوصفها اللحظة التي صار فيها ما كان موزعاً في التطلعات والمخيلة الاجتماعية مرئياً على الشاطئ. لقد كشفت أين خرج الناس ومتى تحركوا، لكنها لم تفسر بعد لماذا أصبح الخروج جذاباً إلى هذه الدرجة.
وهذا هو السؤال الذي تقودنا إليه المقالة الثانية:
كيف يريد هذا العدد من الشباب الرحيل عن بلد لا يعيش حرباً ولا انهياراً؟ وهل يكفي أن يكون الوطن آمناً اليوم إذا لم يعد مستقبله يبدو آمناً في نظر أبنائه؟
المراجع الأساسية
Arab Barometer. (2024). Arab Barometer Wave VIII: Morocco Report.
Banerjee, A. V. (1992). A simple model of herd behavior. The Quarterly Journal of Economics, 107(3), 797–817.
Benharrousse, R. (2026). Lharba as politics of escape: Necropolitics, digital discourse and Moroccan youth migration. Journal of African Cultural Studies, 38(2), 207–233.
Bikhchandani, S., Hirshleifer, D., & Welch, I. (1992). A theory of fads, fashion, custom, and cultural change as informational cascades. Journal of Political Economy, 100(5), 992–1026.
de Haas, H. (2021). A theory of migration: The aspirations-capabilities framework. Comparative Migration Studies, 9, Article 8.
Granovetter, M. (1978). Threshold models of collective behavior. American Journal of Sociology, 83(6), 1420–1443.
Haut-Commissariat au Plan. (2026). وضعية سوق الشغل بالمغرب خلال الفصل الثاني لسنة 2026 انطلاقاً من البحث الجديد حول القوى العاملة EMO2026.
Tribunal Supremo. (2026, July 8). El Tribunal Supremo confirma que la ley no permite las devoluciones en caliente de los migrantes que pretenden entrar a nado en Ceuta y Melilla.
Waldersee, V., & Eljechtimi, A. (2026, July 31). Social media rumours, economic hardship fuel migrant surge into Ceuta. Reuters.
Eljechtimi, A., Waldersee, V., Sargent, G., & Gkogkou, M. (2026, August 4). The viral videos that inspired tens of thousands to swim to Spain’s Ceuta. Reuters.
حقوق النشر
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute. لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر. الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.