حين تفقد الدولة دورها: عودة القبيلة والطائفة والهويات القديمة. الحلقة الرابعة.
DAMI Institute
17.08.2026

تطلق DAMI Institute سلسلتها البحثية الجديدة:
الدولة والتناقضات الاجتماعية – الحلقة الثالثة
تستند هذه السلسلة في بنائها النظري إلى بحث «التناقضات البنيوية في المجتمع» للباحث الدكتور محمود إسماعيل، وتعمل على تقديم أبرز أفكاره ومحاوره في مقالات تحليلية متتابعة.

المقدمة
لا يستطيع أي مجتمع أن يستمر من دون إطار ينظم العلاقات بين أفراده، ويحدد الحقوق والواجبات، ويوفر آليات لحل النزاعات وإدارة المصالح المتعارضة. وقد اضطلعت الدولة الحديثة بهذا الدور من خلال القانون والمؤسسات، فأصبحت المرجعية العامة التي تحتكم إليها مختلف الفئات الاجتماعية، مهما تعددت انتماءاتها أو تعارضت مصالحها.

غير أن هذا الدور لا يستمر بصورة تلقائية، بل يعتمد على قدرة الدولة على الحفاظ على شرعيتها، وفاعلية مؤسساتها، وثقة المواطنين بها. وعندما تتراجع هذه القدرة، أو تعجز المؤسسات عن أداء وظائفها الأساسية، لا تقتصر النتائج على ظهور أزمات سياسية أو اقتصادية، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل أنماط الانتماء والولاء داخل المجتمع نفسه.

وقد أوضح المقال السابق أن التناقضات الاجتماعية التي تُترك دون معالجة لا تختفي، وإنما تتراكم وفق ما أسميناه «قانون الانفجار المؤجل»، حتى يصبح المجتمع أكثر هشاشة وأكثر قابلية للدخول في أزمات واسعة. غير أن الانفجار، عندما يحدث، لا يمثل نهاية العملية، بل قد يكشف عن تحول أعمق يتمثل في تراجع الدولة بوصفها الإطار الجامع الذي ينظم العلاقات بين الجماعات والأفراد.

وعندما تضعف الدولة في أداء هذا الدور، لا يبقى الفراغ المؤسسي قائماً من دون بديل. فالمجتمع يسعى باستمرار إلى إنتاج آليات توفر للأفراد الحماية، والانتماء، والثقة، والتكافل، والقدرة على مواجهة المخاطر. وعندئذ تبدأ دوائر الانتماء الأقرب، كالقبيلة والطائفة والعائلة الممتدة والانتماءات المحلية، باستعادة أدوار كانت قد تراجعت مع تطور الدولة الحديثة، ليس لأنها أصبحت بالضرورة أكثر قوة في ذاتها، بل لأن المرجعية الجامعة التي كانت تنظم العلاقة بينها فقدت جزءاً من قدرتها على القيام بوظيفتها.

ولأغراض هذا المقال، يُستخدم مفهوم «الهويات الأولية» للإشارة إلى دوائر الانتماء الاجتماعية القريبة والموروثة تاريخياً، كالأسرة والقرابة والقبيلة والطائفة والانتماء الديني أو المحلي. ولا يعني استخدام هذا المفهوم أن هذه الهويات ثابتة أو غير قابلة للتحول، وإنما يشير إلى أنها تسبق، في كثير من الأحيان، العلاقة المؤسسية الحديثة بين الفرد والدولة، وتستمر إلى جانبها بأشكال مختلفة.

ولا ينطلق هذا المقال من افتراض أن هذه الهويات تمثل ظاهرة سلبية، أو أن وجودها يتعارض مع الدولة الحديثة. فهي كانت ولا تزال جزءاً أصيلاً من البناء الاجتماعي في معظم المجتمعات. غير أن الإشكالية تبدأ عندما تنتقل من كونها دوائر طبيعية للانتماء والتضامن إلى أن تصبح بديلاً عن الدولة في أداء وظائف عامة، كتحقيق الأمن، وتسوية النزاعات، وضمان الحقوق، وتوزيع الفرص.

ومن هذا المنطلق، يناقش المقال العلاقة بين ضعف الدولة وصعود الهويات الأولية، محاولاً تفسير الأسباب التي تدفع الأفراد إلى إعادة بناء ولاءاتهم داخل الأطر التقليدية كلما فقدت الدولة قدرتها على أداء دورها التنظيمي. كما يسعى إلى توضيح أن استعادة قوة الدولة لا تتحقق عبر محاربة هذه الهويات أو إلغائها، وإنما عبر إعادة بناء المؤسسات القادرة على احتضانها جميعاً ضمن إطار قانوني ومواطني جامع.

أولاً: الدولة لا تلغي الهويات الأولية
غالباً ما يُنظر إلى نشوء الدولة الحديثة بوصفه بداية تراجع الهويات التقليدية، كالقبيلة والطائفة والعائلة الممتدة والانتماءات المحلية. ويُفهم من ذلك أحياناً أن هذه الهويات قد اختفت، أو فقدت أهميتها مع تطور المؤسسات الحديثة. غير أن هذا التصور لا يعكس طبيعة التحولات الاجتماعية بصورة دقيقة.

فالهوية الاجتماعية لا تختفي بمجرد قيام مؤسسات الدولة، ولا يمكن إلغاؤها بقرار سياسي أو بتحول إداري. فالأسرة والقرابة والانتماء الديني أو المحلي جميعها تستجيب لحاجات إنسانية واجتماعية تتعلق بالانتماء والثقة والتضامن والدعم المتبادل. وهي وظائف لا تزول بقيام الدولة، وإنما تستمر داخل المجتمع بأشكال ودرجات مختلفة.

ومن هنا، فإن الدولة الحديثة لم تقم بالضرورة على القضاء على هذه الهويات، وإنما على إعادة تحديد المجال الذي تعمل فيه. فقد انتقلت إدارة الشأن العام، وتسوية النزاعات، وحماية الحقوق، وتوزيع الواجبات، إلى مؤسسات الدولة والقانون، بينما استمرت الهويات الأولية في أداء أدوارها الاجتماعية والثقافية، من دون أن تكون المرجعية العليا لتنظيم العلاقات العامة.

وبهذا المعنى، لا يقاس نجاح الدولة بمدى ضعف القبيلة أو الطائفة أو العائلة، وإنما بقدرتها على أن تكون المرجعية المشتركة التي يحتكم إليها الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم الخاصة. فكلما ازدادت الثقة بالمؤسسات والقانون، تراجعت الحاجة إلى استخدام الروابط الأولية للحصول على الحماية أو الحقوق أو الفرص التي يفترض أن توفرها الدولة.

ولهذا، فإن العلاقة بين الدولة والهويات الأولية ليست بالضرورة علاقة صراع أو تناقض وجودي. ففي المجتمعات المستقرة يمكن للعائلة والطائفة والجماعات المحلية وغيرها من دوائر الانتماء أن تؤدي وظائف اجتماعية وثقافية مهمة من دون أن تنافس الدولة، ما دامت الحدود بين المجالين واضحة: الدولة تدير المجال العام، بينما تمارس الجماعات الاجتماعية وظائفها في مجالات الانتماء والتضامن والحفاظ على الروابط الثقافية والاجتماعية.

وتبدأ الإشكالية عندما تختل هذه الحدود، فتنتقل الهويات الأولية من أداء وظائفها الاجتماعية الطبيعية إلى أداء وظائف يفترض أن تقوم بها مؤسسات الدولة. فعندما يصبح الحصول على الحماية، أو حل النزاعات، أو الوصول إلى الفرص، أو ضمان الحقوق، مرتبطاً بالانتماء إلى جماعة معينة أكثر من ارتباطه بالمواطنة والقانون، فإن ما نشهده ليس مجرد ازدياد في قوة الهويات الأولية، بل تراجعاً في قدرة الدولة على ممارسة دورها الجامع.

ومن المنظور السوسيولوجي، لا تكمن المشكلة إذاً في تعدد الانتماءات، وإنما في اختلال العلاقة بينها وبين المرجعية العامة. فحين تبقى الدولة هي الإطار الأعلى لتنظيم المجال العام، يمكن للهويات المختلفة أن تتعايش ضمن نظام قانوني واحد. أما عندما تفقد الدولة هذه المكانة، فإن الانتماءات الجزئية تبدأ تدريجياً بأداء وظائف لم تُنشأ أصلاً للقيام بها.

ثانياً: لماذا يعود الناس إلى القبيلة والطائفة؟
قد يُفسر تصاعد الانتماءات القبلية أو الطائفية أحياناً باعتباره رفضاً للدولة الحديثة، أو حنيناً إلى أنماط اجتماعية تقليدية. غير أن هذا التفسير يغفل جانباً أساسياً من السلوك الاجتماعي، وهو أن الأفراد يبحثون، قبل أي شيء آخر، عن الإطار الذي يوفر لهم الشعور بالأمان والثقة والانتماء، ويمنحهم القدرة على مواجهة المخاطر وعدم اليقين.

وفي الظروف التي تعمل فيها الدولة ومؤسساتها بكفاءة، تؤدي الدولة جانباً أساسياً من هذه الوظيفة. فهي تحمي الحقوق، وتطبق القانون، وتسوي النزاعات، وتضمن، أو يفترض أن تضمن، قدراً من المساواة في التعامل مع المواطنين. وعندما يشعر الفرد بأن هذه المؤسسات قادرة على حمايته وإنصافه، تتراجع حاجته إلى البحث عن مرجعية بديلة للحصول على حقوقه العامة.

لكن عندما تضعف هذه القدرة، أو تتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات، يبدأ الأفراد بالبحث عن مصادر أخرى للأمان والدعم. وهنا تبرز الهويات الأولية بوصفها أقرب الشبكات الاجتماعية وأكثرها قدرة على توفير استجابة مباشرة، سواء من خلال العلاقات العائلية، أو الروابط القبلية، أو الانتماءات الدينية والمحلية.

ولا يحدث هذا التحول بالضرورة نتيجة قناعة أيديولوجية أو رفض مبدئي للدولة، بل قد يكون استجابة عملية لفراغ مؤسسي. فالفرد الذي لا يثق بقدرة المؤسسة العامة على حمايته أو إنصافه قد يلجأ إلى العائلة أو الجماعة أو الشبكة المحلية لأنها تبدو، في تجربته اليومية، أقرب وأسرع وأكثر قدرة على الاستجابة.

ومن هذا المنظور، لا تكون العودة إلى القبيلة أو الطائفة تعبيراً عن رفض الدولة بقدر ما تكون مؤشراً على تراجع قدرتها على أداء دورها. فكلما ازدادت الثقة بأن الحقوق يمكن الحصول عليها عبر المؤسسات، تراجع الاعتماد على الروابط الأولية في إدارة الشأن العام. أما عندما تصبح المؤسسات أقل قدرة على توفير العدالة أو الحماية أو تكافؤ الفرص، فإن أهمية الدوائر الاجتماعية الأقرب تزداد.

ويفسر ذلك أيضاً لماذا تزداد قوة الهويات التقليدية في فترات الأزمات أو انهيار الثقة بالمؤسسات. فالمسألة لا ترتبط بقوة هذه الهويات وحدها، وإنما بحجم الفراغ الذي تتركه الدولة. وكلما اتسع هذا الفراغ، ازدادت قدرة الشبكات الأولية على استعادة وظائف كانت قد تراجعت في ظل النظام المؤسسي.

ولهذا، فإن فهم صعود الهويات الأولية يتطلب النظر إليه بوصفه نتيجة لتحول في البيئة المؤسسية، لا بوصفه تحولاً مفاجئاً في طبيعة المجتمع أو في قيم أفراده. فالناس لا يتخلون بسهولة عن المرجعية العامة التي توفرها الدولة، لكنهم يبحثون عن بدائل عندما يشعرون بأن هذه المرجعية لم تعد قادرة على حماية مصالحهم أو تنظيم علاقاتهم بالكفاءة المطلوبة.

وعليه، فإن عودة القبيلة أو الطائفة أو غيرهما من الهويات الأولية ليست، في كثير من الأحيان، بداية الأزمة، وإنما إحدى نتائجها. فهي تعكس محاولة المجتمع إعادة إنتاج أشكال بديلة من التنظيم والتضامن عندما تتراجع قدرة الدولة على القيام بوظيفتها الجامعة.

ثالثاً: عندما تحل الهويات الأولية محل الدولة
لا يحدث انتقال وظائف الدولة إلى الهويات الأولية بصورة مفاجئة أو بقرار معلن، وإنما يتشكل تدريجياً مع تراجع قدرة المؤسسات العامة على أداء أدوارها الأساسية. ففي البداية قد يقتصر الأمر على اعتماد الأفراد على شبكاتهم الاجتماعية في حل بعض المشكلات اليومية، لكن هذا الاعتماد يمكن أن يتوسع مع الوقت ليشمل مجالات يفترض أن تكون من صميم اختصاص الدولة، كالحماية، وتسوية النزاعات، والوصول إلى الفرص، وضمان الحقوق، وحتى تشكيل الولاءات العامة.

وعندما يحدث هذا التحول، لا يتغير شكل الانتماء الاجتماعي فحسب، بل تبدأ قواعد تنظيم المجتمع نفسها بالتغير. فبدلاً من أن تكون المواطنة هي الأساس الذي تُبنى عليه الحقوق والواجبات، يكتسب الانتماء إلى الجماعة الأقرب أهمية متزايدة، ويصبح موقع الفرد داخل شبكته الاجتماعية عاملاً مؤثراً في حصوله على الدعم أو الحماية أو النفوذ.

وهنا يظهر أحد أخطر آثار ضعف الدولة: انتقال الفرد من السؤال عن حقه بوصفه مواطناً إلى السؤال عن الجهة القادرة على حمايته أو مساعدته. ومع تكرار هذه العملية، تتراجع أهمية المؤسسة العامة في الوعي الاجتماعي، بينما ترتفع قيمة الشبكة الخاصة بوصفها أداة أكثر فاعلية للحصول على الأمن أو الخدمة أو الفرصة.

ويؤدي هذا التحول تدريجياً إلى إضعاف المرجعية المشتركة التي تقوم عليها الدولة الحديثة. فكل جماعة تبدأ بتطوير آلياتها الخاصة لمعالجة مشكلاتها والدفاع عن مصالحها وحماية أفرادها، الأمر الذي يقلل من الاعتماد على المؤسسات العامة، ويضعف الثقة بقدرتها على تحقيق العدالة بصورة متساوية بين المواطنين.

كما تنشأ عن ذلك منظومات متعددة للولاء قد تتداخل فيما بينها أو تتعارض. فبدلاً من أن يكون القانون هو المرجعية العليا التي تنظم العلاقة بين الجميع، تصبح الولاءات الجزئية أكثر حضوراً في توجيه السلوك الاجتماعي والسياسي. وعند هذه المرحلة، يدخل الانتماء الوطني في منافسة مع انتماءات أخرى تستمد قوتها من القرب الاجتماعي أو التاريخ المشترك أو المصالح المتبادلة.

ولا يقتصر أثر هذا التحول على المجال السياسي، بل يمتد إلى المجالين الاقتصادي والاجتماعي أيضاً. فقد تتراجع معايير الكفاءة لصالح معايير القرب والانتماء، وتزداد أهمية المحسوبية والوساطة، ويصبح الوصول إلى بعض الموارد أو الفرص مرتبطاً بالشبكات الاجتماعية أكثر من ارتباطه بالقواعد المؤسسية العامة.

ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة بمبدأ تكافؤ الفرص، ويعزز الشعور بأن الانتماء إلى الجماعة أكثر فاعلية من الانتماء إلى الدولة. وهنا تنشأ حلقة متبادلة التعزيز: فكلما ضعفت الثقة بالمؤسسات ازداد الاعتماد على الشبكات الخاصة، وكلما ازداد الاعتماد على هذه الشبكات تراجعت مكانة المؤسسات العامة بوصفها المرجعية المشتركة.

وقد تنتقل الجماعات، في مثل هذه الظروف، من توفير التضامن الاجتماعي إلى إنتاج أشكال موازية من الحماية أو التحكيم أو توزيع الموارد والنفوذ. وعندما يحدث ذلك، تصبح الدولة موجودة من الناحية الشكلية، بينما تتوزع بعض وظائفها الفعلية بين مراكز اجتماعية متعددة.

ومن المهم التأكيد أن هذه النتائج لا تنشأ لأن الهويات الأولية تسعى بطبيعتها إلى منافسة الدولة أو الحلول محلها. فهي غالباً ما تتوسع في أدوارها استجابة لحاجات لم تعد المؤسسات العامة قادرة على تلبيتها بالكفاءة المطلوبة. ولذلك فإن صعودها لا يمكن فهمه بمعزل عن البيئة المؤسسية التي سمحت بانتقال هذه الوظائف إليها.

وعليه، فإن أخطر ما في هذا التحول لا يتمثل في تعدد الهويات، وإنما في تراجع المرجعية الجامعة التي تنظم العلاقة بينها. فعندما تفقد الدولة قدرتها على أداء هذا الدور، يصبح المجتمع معرضاً للانقسام إلى دوائر متوازية من الولاءات والمصالح، ويصبح الحفاظ على التماسك الوطني أكثر صعوبة، لأن الإطار الذي كان يجمع الجميع داخل منظومة مؤسسية واحدة لم يعد يؤدي وظيفته بالفاعلية نفسها.

رابعاً: استعادة الدولة لا تعني إلغاء الهويات
قد يقود الحديث عن الآثار المترتبة على صعود الهويات الأولية إلى الاعتقاد بأن بناء الدولة الحديثة يقتضي إضعاف هذه الهويات أو السعي إلى إلغائها. غير أن هذا التصور يتعارض مع طبيعة المجتمعات، التي تقوم على تعدد الانتماءات وتنوع الروابط الاجتماعية والثقافية.

فالهويات الأولية ليست ظاهرة طارئة يمكن محوها، وإنما مكونات راسخة في البناء الاجتماعي، تستمر بأشكال مختلفة عبر الزمن. ولذلك فإن نجاح الدولة لا يقاس بقدرتها على إزالة هذه الهويات، وإنما بقدرتها على تنظيم العلاقة بينها وإدماجها ضمن إطار قانوني ومؤسسي يجعلها تمارس وظائفها الاجتماعية والثقافية من دون أن تتحول إلى بدائل عن مؤسسات الدولة.

فكلما كانت الدولة أكثر شرعية وفاعلية وعدالة، أصبحت الهويات الأولية أقل حاجة إلى التدخل في إدارة الشأن العام، وعادت إلى أداء أدوارها بوصفها مصادر للانتماء والتضامن والدعم الاجتماعي، لا بوصفها مراكز سلطة موازية.

ويتحقق ذلك عندما يشعر المواطن بأن حقوقه مصونة بحكم القانون، وأن فرصه لا تتحدد بانتمائه القبلي أو الطائفي أو العائلي، بل بصفته مواطناً متساوياً مع غيره أمام المؤسسات العامة. ففي هذه الحالة، لا يفقد الفرد ارتباطه بهوياته الخاصة، لكنه لا يجد نفسه مضطراً إلى الاعتماد عليها للحصول على العدالة أو الحماية أو الفرص.

ومن هذا المنطلق، فإن العلاقة بين الدولة والهويات الأولية ليست علاقة تنافس صفري، بل يمكن أن تقوم على تكامل وظيفي ووضوح في الأدوار. فالدولة تتولى تنظيم المجال العام، وحماية الحقوق، وتطبيق القانون، وضمان المساواة بين المواطنين، بينما تواصل الهويات الاجتماعية أداء وظائفها المتعلقة بالانتماء والثقافة والتكافل والدعم المتبادل.

ويؤكد هذا التصور أن معالجة الأزمات المرتبطة بالانقسامات الاجتماعية لا تبدأ بمحاربة الهويات أو التشكيك في مشروعيتها، وإنما بإعادة بناء الثقة بالدولة ومؤسساتها. فكلما ازدادت قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بكفاءة وعدالة، تراجعت الحاجة إلى اللجوء إلى الهويات الأولية بوصفها أدوات للحصول على الحقوق أو حل المشكلات العامة.

وبذلك، فإن استعادة الدولة لا تعني استعادة السيطرة على المجتمع، وإنما استعادة قدرتها على أن تكون المرجعية المشتركة التي تجمع مواطنين يختلفون في انتماءاتهم وثقافاتهم ومعتقداتهم، من دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى أساس لتفاوت الحقوق أو توزيع الحماية والفرص.

فالدولة الحديثة لا تُبنى على إلغاء التنوع، وإنما على تنظيمه داخل إطار قانوني يضمن التوازن بين وحدة المجتمع وتعدد مكوناته. وعندما تستعيد الدولة هذا الدور، لا تختفي الهويات الجزئية، وإنما تعود إلى موقعها الطبيعي داخل النسيج الاجتماعي، بوصفها مصادر للانتماء والتنوع، لا بدائل عن المؤسسات العامة.

الخاتمة
يوضح هذا المقال أن عودة القبيلة أو الطائفة أو غيرهما من الهويات الأولية ليست، في حد ذاتها، دليلاً على رفض الدولة الحديثة أو بديلاً طبيعياً عنها، وإنما تمثل، في كثير من الأحيان، استجابة اجتماعية لتراجع قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

فكلما ضعفت المؤسسات، وتراجعت الثقة بالقانون، وعجزت الدولة عن توفير الحماية والعدالة والمساواة، اتجه الأفراد بصورة متزايدة نحو الدوائر الاجتماعية الأقرب إليهم بحثاً عن الأمان والانتماء والدعم. ولا ينبغي، من هذا المنطلق، فهم صعود الهويات الأولية باعتباره السبب الرئيس لضعف الدولة، بل بوصفه أحد نتائجه ومؤشراته.

فهذه الهويات لا تستعيد أدوارها العامة لأنها أصبحت بالضرورة أكثر قوة، وإنما لأنها تجد أمامها فراغاً مؤسسياً لم تعد الدولة قادرة على ملئه بالكفاءة نفسها. وعندما يحدث ذلك، تنتقل إليها تدريجياً وظائف لم تُنشأ أصلاً للقيام بها، الأمر الذي يعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة والدولة، ويؤثر في مفهوم المواطنة، وتوازن الولاءات، وآليات تنظيم الحياة العامة.

كما يبين المقال أن بناء الدولة لا يتحقق عبر إلغاء الانتماءات التقليدية أو الدخول في صراع معها، وإنما عبر إعادة ترسيخ الدولة بوصفها المرجعية المشتركة التي تحتكم إليها جميع مكونات المجتمع. فالدولة القوية ليست تلك التي تسعى إلى محو التنوع، بل تلك التي تستطيع تنظيم العلاقة بين الهويات المختلفة داخل إطار قانوني ومؤسسي يكفل المساواة، ويحافظ في الوقت نفسه على حق الجماعات والأفراد في الاحتفاظ بانتماءاتهم وخصوصياتهم ضمن حدود المواطنة وسيادة القانون.

وبذلك، يضيف هذا المقال بعداً جديداً إلى الإطار النظري الذي تتبناه هذه السلسلة. فإذا كان المقال الأول قد أكد أن الاختلاف جزء طبيعي من البناء الاجتماعي، وأوضح المقال الثاني أن وظيفة الدولة هي تنظيم هذا الاختلاف، وبيّن المقال الثالث أن إهمال التناقضات يؤدي إلى تراكمها وفق «قانون الانفجار المؤجل»، فإن هذا المقال يوضح أن تراجع الدولة لا يؤدي إلى اختفاء الحاجة إلى التنظيم، بل إلى انتقال جزء من هذه الوظيفة نحو الهويات والشبكات الاجتماعية الأقرب.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في علاقة الدولة بالمجتمع: فضعف الدولة لا يؤدي بالضرورة إلى ضعف التنظيم الاجتماعي، وإنما قد يؤدي إلى انتقال التنظيم من المجال العام إلى دوائر جزئية ومتعددة، لكل منها شبكاتها وولاءاتها وآلياتها الخاصة.

فكلما ضعفت الدولة بوصفها المرجعية المشتركة، ازدادت قوة الهويات الجزئية بوصفها ملاذاً بديلاً، لا لأنها أصبحت أقوى، بل لأن الدولة أصبحت أضعف.

المقال القادم في السلسلة
المقال الخامس
من الدولة إلى السلطة: عندما تتحول المؤسسات إلى أدوات ولاء

يتناول المقال القادم مرحلة أكثر تعقيداً في مسار التناقضات البنيوية، وهي الحالة التي لا تختفي فيها مؤسسات الدولة ولا تنهار بالضرورة، وإنما تفقد تدريجياً حيادها ووظيفتها العامة، فتتحول من مؤسسات يفترض أن تخدم المجتمع بأكمله إلى أدوات لإنتاج الولاء السياسي أو الاجتماعي وتوزيع النفوذ والفرص.

ويناقش المقال كيف يؤثر هذا التحول في شرعية الدولة، وثقة المواطنين بالمؤسسات، ومبدأ المساواة أمام القانون، وكيف يمكن للمؤسسة التي أُنشئت لتنظيم التناقضات الاجتماعية أن تتحول هي نفسها إلى أحد مصادر إنتاجها.

الدكتور الباحث محمود اسماعيل

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.

لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.