لماذا يبدو البحر خياراً عقلانياً في مخيلة الشباب داخل دولة لا تعيش حرباً ولا انهياراً؟
حالة المغرب وأزمة سبتة 2026
DAMI Institute – ورقة عمل رقم 04/2026
11.08.2026

لا تحتاج المجتمعات دائماً إلى حرب أو انهيار سياسي حتى يبدأ شبابها في التفكير بالمغادرة. فقد يكون الاستقرار الأمني قائماً، وتعمل مؤسسات الدولة، ويتحقق قدر من التنمية، ومع ذلك يتسع لدى فئات من الشباب الاعتقاد بأن مستقبلهم الأكثر قابليةً للتحقق يوجد خارج وطنهم.
تنطلق هذه الورقة من هذه المفارقة، وتتخذ من المغرب وأزمة سبتة في صيف 2026 حالةً كاشفةً لفهم الأسباب التي تجعل الهجرة، بما فيها الهجرة غير النظامية عالية المخاطر، خياراً قابلاً للتصور لدى بعض الشباب.
وتفرق الدراسة بين سؤالين غالباً ما يجري الخلط بينهما: لماذا يرغب الفرد في المغادرة أصلاً؟ ولماذا يتحول هذا الاستعداد إلى فعل في لحظة محددة؟
فالحكم القضائي، أو تغير ظروف الحدود، أو انتشار مقطع فيديو، أو تداول معلومة عن سهولة العبور، يمكن أن يساعد على تفسير توقيت موجة هجرة معينة، لكنه لا يفسر وحده لماذا كان عدد كبير من الأشخاص مستعدين للاستجابة إلى هذه الفرصة.
وبعبارة تلخص إحدى الأفكار المركزية في الدراسة:
الشرارة قد تفسر لحظة الاشتعال، لكنها لا تفسر وجود الوقود.
وتبين الورقة أن تفسير التفكير في الهجرة لدى الشباب المغربي لا يمكن اختزاله في البطالة أو الفقر. فوفق أحدث بيانات سوق العمل المستخدمة في الدراسة، بلغ معدل البطالة بالمفهوم الضيق بين الشباب من 15 إلى 24 سنة 27.2% خلال الفصل الثاني من عام 2026، فيما بلغ المعدل المركب للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة لدى هذه الفئة 41.7%. وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات Arab Barometer السابقة للأزمة أن 55% من المغاربة بين 18 و29 سنة أفادوا بأنهم سبق أن فكروا في الهجرة، مقابل 24% لدى من يبلغون 30 سنة فأكثر.
لكن الورقة تذهب أبعد من الأرقام الاقتصادية. فهي تبحث في نوعية العمل، والعائد المتوقع من التعليم، وتأخر الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، والزمن الذي يحتاجه الشاب إلى بناء حياته، والفاعلية، والكرامة، وشبكات الهجرة، والمقارنة الاجتماعية، والصورة التي تتشكل عن الحياة في الخارج.
وتقترح الدراسة مفهوماً تحليلياً تسميه:
«فجوة الحياة الممكنة»
Possible-Life Gap
ويقصد به المسافة المدركة بين الحياة التي يتطلع الفرد إلى بنائها وبين الحياة التي يعتقد أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية المحلية تسمح له واقعياً بتحقيقها ضمن أفق زمني يراه معقولاً.
فالمشكلة ليست فقط في الوضع الذي يعيشه الفرد اليوم، بل في السؤال الذي يطرحه عن الغد:
إذا استمريت هنا، إلى أين ستقودني السنوات المقبلة؟
وتوضح الورقة أن التعليم والتنمية قد لا يؤديان بالضرورة إلى انخفاض تطلعات الهجرة بصورة مباشرة. فالتعليم يمكن أن يرفع القدرات، لكنه يرفع أيضاً توقعات الفرد بشأن العمل والدخل والاستقلال والمكانة. وإذا ارتفعت هذه التطلعات بوتيرة أسرع من قدرة الفرص المحلية على استيعابها، يمكن أن تتسع الفجوة بين الحياة التي أصبح الفرد يتصورها والحياة التي يعتقد أنه يستطيع تحقيقها محلياً.
كما تبحث الدراسة في دور شبكات المهاجرين والمقارنة الاجتماعية. فالمهاجر لا ينقل المال فقط؛ بل ينقل أيضاً صوراً ومعايير وتوقعات بشأن ما يمكن تحقيقه في الخارج. وعندما يكون المهاجر شخصاً من الأسرة أو الحي أو البيئة الاجتماعية نفسها، قد يتحول نجاحه المرئي إلى دليل اجتماعي على أن الهجرة مسار قابل للتكرار.
وتسمي الورقة هذه الفرضية:
«الأثر البرهاني للنجاح الهجري»
مع التأكيد على أنها فرضية تفسيرية تحتاج إلى اختبار تجريبي مباشر، وليست نتيجةً سببيةً مثبتةً على المستوى الوطني.
وتناقش الدراسة كذلك مفارقة المخاطرة: لماذا يخوض شخص رحلةً يعرف أنها قد تؤدي إلى الغرق أو الإصابة أو الإعادة؟
ولا تفترض الورقة أن عبور البحر «عقلاني» موضوعياً، بل ترى أن المخاطرة لا تُقيَّم بمعزل عن البدائل. فعندما تنخفض القيمة التي يمنحها الفرد لمستقبله المحلي، بينما ترتفع القيمة المتصورة لإمكان التغيير في الخارج، يمكن أن تتغير عتبة المخاطرة التي يكون مستعداً لقبولها.
البحر لا يصبح أقل خطراً؛ لكن العلاقة المدركة بين خطر المغادرة وقيمة البقاء يمكن أن تتغير.
ومن خلال تحليل أزمة سبتة، تقترح الورقة نموذجاً ثانياً لفهم الانتقال من التفكير إلى الحركة:
«الاستعداد – الفرصة – الشلال»
الاستعداد: وجود تفكير أو تطلع سابق يجعل المغادرة خياراً قابلاً للتصور.
الفرصة: ظهور ظرف فعلي أو متصور يجعل التنفيذ يبدو أكثر إمكاناً.
الشلال: انتشار المعلومات ونجاح بعض المحاولات وسلوك الآخرين بطريقة يمكن أن تخفض عتبات المشاركة لدى أشخاص إضافيين.
وبذلك لا تنظر الدراسة إلى أزمة سبتة بوصفها مجرد أزمة حدود، بل باعتبارها نافذةً تسمح بطرح سؤال اجتماعي أعمق: ما الذي يحدث قبل الوصول إلى الحدود حتى يصبح المستقبل خارجها أكثر قابليةً للتصديق من المستقبل داخلها؟
وتخلص الورقة إلى أن قدرة الدولة على ضبط الحدود لا ينبغي أن تُخلط بقدرتها على الحفاظ على جاذبية البقاء. فقد يكون من الممكن إغلاق طريق للهجرة، من دون أن يؤدي ذلك إلى إزالة الأسباب التي تجعل الخارج يبدو أكثر إقناعاً.
ولهذا تقترح الدراسة الانتقال من الاقتصار على «سياسة الهجرة» إلى زاوية أوسع يمكن تسميتها «سياسة المستقبل»: أي النظر إلى مدى قدرة التعليم والعمل والسكن والاستقلال والحراك والثقة بالمؤسسات على إنتاج مسار محلي يستطيع الشباب تصديقه والاستثمار فيه.
فالحدود، في النهاية، ليست بداية المشكلة دائماً.
الحدود تفسر أين خرجوا؛ لكنها لا تفسر لماذا أرادوا الخروج.
وتنتهي الورقة بالاستنتاج الآتي:
«الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يصل الشباب إلى الشاطئ؛ بل عندما يتوقفون قبل ذلك بسنوات عن تخيل مستقبلهم داخل وطنهم.»
DAMI Institute – ورقة عمل رقم 04/2026
لؤي نزيه الضاهر