الحلقة الثالثة: لماذا يختار بعض اللاجئين البقاء حتى عندما تصبح العودة ممكنة؟
لؤي الضاهر – DAMI Institute
22.07.2026

مقدمة
في المقالين السابقين، ناقشنا الفلسفة البنيوية التي قام عليها نظام اللجوء الدولي كأداة طوارئ مؤقتة، ثم تناولنا الآليات التشريعية للمادة (1C) التي تسمح بإنهاء صفة اللاجئ بمجرد زوال الظروف والأسباب الموضوعية التي استدعت الحماية. وقد أظهرت القراءة القانونية الصارمة أن اتفاقية 1951 لم تُصمم لتمنح امتيازاً للاستقرار الأبدي.
لكن حتى عندما تصبح العودة ممكنة من الناحية القانونية والجيوسياسية نتيجة تحولات كبرى في بلد المنشأ، يبرز سؤال سوسيولوجي ونفسي أكثر تعقيداً: لماذا يختار بعض اللاجئين البقاء والتمسك بدول الاستضافة؟
إذا كانت أسباب اللجوء السياسية والأمنية قد انتفت، وإذا كانت الحماية الدولية البديلة لم تعد ضرورية بالمعنى التشريعي، فلماذا لا نشهد عودة تلقائية وشاملة؟ للإجابة عن هذه المعضلة، يتعين على الباحث الانتقال من جمود النصوص القانونية إلى تفكيك الظواهر السوسيولوجية التي تحكم سلوك الأفراد، وفهم كيف تتحول الإقامة المؤقتة بمرور السنوات من “البحث عن النجاة” إلى “البحث عن جودة الحياة”.

 من الحماية إلى الاستقرار الهيكلي
عندما يفر اللاجئ من آتون الحرب، يكون محركاً بغريزة البقاء والبحث عن الأمان الفوري. لكن مع امتداد سنوات اللجوء، تبدأ الوظيفة الهيكلية للإقامة بالتغير التدريجي؛ فبدلاً من كونها مجرد مظلة حمائية مؤقتة ضد خطر الموت، تتحول إلى إطار ناظم للحياة اليومية وسياق كامل للاستقرار المعيشي.
يتعلم الفرد لغة المجتمع الجديد، ينخرط في مجالات العمل، يدخل أطفاله المنظومات التعليمية المستقرة، وتتشكل تدريجياً شبكة معقدة من المصالح والمكتسبات اليومية. وهنا تتبدى المفارقة السلوكية الحادة: كلما نجحت الدولة المضيفة في تأمين مقومات الاندماج الهيكلي والاستقرار المعيشي، ازدادت وطأة الحسابات العملية التي تعيق اتخاذ قرار العودة لاحقاً.

مفارقة الاندماج وحسابات المنفعة
تؤصل دراسة Kayaoglu وŞahin-Mencütek وآخرين (2022) هذه الجدلية المعقدة؛ إذ تكشف أن تطلعات العودة لا تتأثر فقط بالمتغيرات الأمنية في بلد المنشأ، بل ترتبط أيضاً بدرجة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي التي حققها الفرد في بلد الاستقبال.
وتطرح الدراسة مفهوم “مفارقة الاندماج” (Integration Paradox) لتفسير هذه الظاهرة؛ حيث يتبين أن النجاح في بناء حياة مستقرة داخل دولة اللجوء قد يتحول إلى عامل يقلل من احتمالات العودة بدلاً من أن يشجع عليها. فالأفراد في هذه المرحلة لا يقارنون فقط بين الخطر والأمان، بل بين نمطين مختلفين من الاستقرار والقدرة على التخطيط للمستقبل.
وبهذا المعنى، تصبح العودة قراراً أكثر تعقيداً من مجرد انتهاء الحرب أو زوال الخوف، لأنها تتطلب التخلي عن مكتسبات تراكمت عبر سنوات طويلة من الاستقرار وإعادة بناء الحياة.

المواطنة الإجرائية مقابل الانتماء الفعلي
هنا نصل إلى إحدى أكثر الإشكاليات السوسيولوجية تعقيداً في مجتمعات اللجوء والهجرة، وهي الفجوة المحتملة بين “المواطنة الإجرائية” و”الانتماء الفعلي”.
فمع مرور السنوات قد يحصل اللاجئ أو المهاجر على الإقامة الدائمة أو الجنسية، ويتمتع بكامل الحقوق القانونية والسياسية والاجتماعية في الدولة المضيفة. ومن الناحية القانونية يصبح مواطناً كاملاً يتمتع بالحماية والحقوق نفسها التي يتمتع بها أبناء البلد.
غير أن الاندماج القانوني والمؤسساتي لا يؤدي بالضرورة إلى انتقال مماثل في الهوية والانتماء. ففي كثير من الحالات يحتفظ الأفراد بروابط رمزية وثقافية وعاطفية قوية مع أوطانهم الأصلية، حتى بعد حصولهم على المواطنة الكاملة في الدولة المضيفة.
ومن هنا تنشأ فجوة معقدة بين المواطنة بوصفها وضعاً قانونياً، والانتماء بوصفه تجربة وجدانية وثقافية وتاريخية أكثر عمقاً. فقد يشارك الفرد في الحياة السياسية للدولة المضيفة، ويستفيد من مؤسساتها وخدماتها، وفي الوقت نفسه يظل مرتبطاً عاطفياً وثقافياً بوطنه الأصلي، ويتابع أحداثه السياسية ويحتفل بتحولاته الكبرى ويشعر بأن جزءاً من هويته لا يزال مرتبطاً به.
ولا تعني هذه الظاهرة بالضرورة غياب الاندماج أو فشله، لكنها تكشف أن العلاقة بين المواطنة والانتماء أكثر تعقيداً من مجرد الحصول على جواز سفر أو وضع قانوني مستقر.

تآكل الروابط وأزمة الثقة السياسية في بيئة العودة
بالتوازي مع الاستقرار الذي توفره دول الاستضافة، تبرز عوامل أخرى تعيق العودة. تشير دراسة (Dinçer وŞahin-Mencütek 2025) إلى أن قرارات العودة لا تتأثر فقط بالظروف الحالية، بل ترتبط أيضاً بمستوى الثقة بالمستقبل وبقدرة المؤسسات السياسية في بلد المنشأ على توفير الاستقرار والحماية على المدى الطويل.
فاللاجئ الذي أمضى سنوات طويلة في بيئة مؤسساتية مستقرة لا يقيّم الواقع الحالي فقط، بل يحاول تقدير احتمالات المستقبل. ولذلك فإن الشك في استدامة التغيير السياسي أو في قدرة المؤسسات الجديدة على أداء وظائفها قد يصبح عاملاً مؤثراً في قرار البقاء.
وفي السياق نفسه، تشير دراسة (Narmanlıoğlu وBayrakcı 2026) إلى أن سنوات اللجوء الممتدة قد تؤدي إلى تآكل ما يُعرف بـ “رأس المال الاجتماعي الروابطي” (Bonding Social Capital)، أي شبكات العلاقات العائلية والاجتماعية التي كانت تربط الفرد بمجتمعه الأصلي.
ومع مرور الزمن قد يكتشف بعض اللاجئين أنهم لا يعودون إلى المجتمع نفسه الذي غادروه، بل إلى مجتمع تغير وهم أنفسهم تغيروا معه. وعند هذه النقطة يصبح الوطن حاضراً بقوة في الذاكرة والوجدان، لكنه أقل حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية الفعلية.

بين الاستقرار والانتماء
تكشف الأدبيات الحديثة أن قرار البقاء لا يمكن اختزاله في الخوف أو في المساعدات الاجتماعية وحدها، كما لا يمكن تفسيره فقط بالاندماج أو بالنجاح الاقتصادي.

فالواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
إنه نتاج تفاعل بين الاستقرار المعيشي، والروابط الاجتماعية الجديدة، والثقة بالمستقبل، واستمرار الارتباط العاطفي بالوطن الأصلي، وتراكم الخبرات التي عاشها الفرد خلال سنوات اللجوء.
ولهذا السبب فإن زوال أسباب اللجوء القانونية لا يؤدي بالضرورة إلى زوال جميع العوامل التي تؤثر في قرار العودة.

خاتمة
تكشف “مفارقة الرفاهية” أن انتهاء أسباب اللجوء السياسية والأمنية لا يقود بالضرورة إلى عودة تلقائية للاجئين. فبينما يتعامل القانون مع الملف من خلال معايير واضحة تتعلق بالحماية وزوال الخطر، يتعامل
الأفراد مع الواقع من خلال حسابات أكثر تعقيداً تشمل الاستقرار، والعائلة، والتعليم، والعمل، والانتماء، وتوقعات المستقبل.
وكلما طالت سنوات اللجوء وازدادت درجة الاندماج والاستقرار، أصبحت العودة أكثر تعقيداً من مجرد قرار قانوني أو سياسي.
ومن هنا تنشأ إحدى أكثر المفارقات إثارة للاهتمام في عالم اللجوء المعاصر: فالدول التي تنجح في توفير أفضل ظروف الحماية والاندماج قد تجد نفسها في الوقت ذاته أمام أكبر تحديات العودة.

ويبقى السؤال مفتوحاً:
إذا كانت العودة لم تعد قراراً قانونياً فقط، بل أصبحت قراراً اجتماعياً وأخلاقياً وشخصياً معقداً، فأين تنتهي حرية الاختيار الفردي، وأين تبدأ مسؤولية المساهمة في إعادة بناء الأوطان التي دمرتها الحروب؟

المراجع

Kayaoglu, A., Şahin-Mencütek, Z., & Erdoğan, M. M. (2022). Return Aspirations of Syrian Refugees in Turkey. Journal of Immigrant & Refugee Studies, 20(4), 561–583. https://doi.org/10.1080/15562948.2021.1955172

Dinçer, O. B., & Şahin-Mencütek, Z. (2025). Refugee Return, Reintegration, and Citizenship Practices in Post-Conflict Syria. International Migration, 63(1), e13379. https://doi.org/10.1111/imig.13379

Narmanlıoğlu, H., & Bayrakcı, S. (2026). Disconnected and Alone: Communication Barriers of Syrian Refugees in Return and Reintegration. Middle East Journal of Culture and Communication, 19(1), 26–46. https://doi.org/10.1163/18739865-bja10011

المقال التالي في السلسلة
المقال الرابع: حق الاختيار الفردي أم مسؤولية المساهمة في إعادة البناء؟
ينتقل المقال القادم من تفسير دوافع البقاء إلى مناقشة البعد الأخلاقي للفكرة، متسائلاً: هل تبقى العودة خياراً شخصياً محضاً، أم أن هناك مسؤولية أخلاقية ووطنية تقع على عاتق من غادروا أوطانهم عندما تصبح العودة ممكنة؟ وهل يمكن الحديث عن واجب معنوي تجاه المجتمع الأصلي بعد زوال أسباب اللجوء، أم أن حرية الفرد في اختيار مكان حياته تبقى القيمة الأعلى؟

حقوق النشر
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute. لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر. الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.