عندما يقف المجتمع أمام المرآة ولا يعرف نفسه
هذا المقال جزء من سلسلة: أزمة الهوية وزحف اللاقيم: تشريح مجتمع يتآكل من الداخل – الحلقة الأولى
يندرج هذا المقال ضمن مشروع تحليلي أوسع يقدّمه DAMI Institute في إطار سلسلة تفكيكية تتناول تحولات المجتمع والهوية والإنسان المعاصر من منظور سوسيولوجي ونقدي. وقد انطلقت اللبنات الأولى لهذا المشروع من الأفكار والمحاور الواردة في أبحاث ودراسات الدكتور محمود إسماعيل، التي شكّلت أرضية فكرية مهمة لفتح أسئلة جديدة وتوسيعها وربطها بسياقات نظرية وفلسفية معاصرة.

ليست أخطر المجتمعات تلك التي تخسر حروبها العسكرية، أو تنهار عملاتها النقدية، أو تتراجع مؤشراتها الاقتصادية؛ فالتاريخ يخبرنا أن المجتمعات تمتلك قدرة مدهشة على النهوض من تحت الركام، وأن المدن المهدمة يمكن إعادة بنائها، والجيوش المهزومة يمكن إعادة تنظيمها، وحتى الدول التي تسقط تستطيع أن تعود بأسماء جديدة وحدود جديدة وأنظمة جديدة، لكن الكارثة الوجودية الحقيقية تبدأ عندما يستيقظ مجتمع ما ذات صباح ليكتشف أنه فقد صورته عن نفسه دون أن يلحظ لحظة الضياع، وأنه لم يعد يعرف ما الذي يجمع أبناءه سوى جغرافيا مشتركة وذاكرة مرتبكة وخطابات ضخمة فقدت معانيها الأصلية منذ زمن طويل.
نحن لا نعيش أزمة سياسية عابرة، ولا مجرد اضطراب اجتماعي مؤقت كما تحب الخطابات الرسمية أن تصفه، بل نعيش لحظة انهيار حضاري صامت؛ لحظة أصبح فيها المجتمع قادراً على ترديد الكلمات الكبرى مثل الوطن والقيم والانتماء والعدالة دون أن يتوقف ليسأل نفسه إن كان ما يزال يؤمن فعلاً بما يقوله، أو إن كانت هذه الكلمات ما تزال تحمل المعاني ذاتها التي حملتها يوماً ما، أم أنها تحولت إلى هياكل فارغة نستهلكها يومياً كما نستهلك الشعارات.
أن تقف أمام المرآة فلا تتعرف على ملامحك ليس حدثاً سيكولوجياً عابراً ولا صورة أدبية تصلح لبداية مقال، بل هو التوصيف الأكثر دقة للفجيعة التي تعيشها مجتمعاتنا اليوم؛ لأننا لا نقف أمام مرآة تعكس وجوهنا، بل أمام مرآة حضارية تعكس التشققات العميقة التي أصابت الروح الجمعية، وتكشف حجم الاغتراب الذي أصاب وعينا حتى أصبحنا نعيش داخل مجتمعات تتحدث كثيراً عن نفسها لكنها لم تعد تعرف نفسها.
الوهم الأكبر الذي نمارسه على أنفسنا هو الاعتقاد بأن أزمة الهوية تبدأ عندما يفقد الإنسان لغته أو ينسى تاريخه أو يتخلى عن بعض ملامحه الثقافية، بينما الحقيقة أكثر قسوة بكثير؛ فأزمة الهوية تبدأ عندما يفقد المجتمع قدرته على إنتاج معنى مشترك للحياة، وعندما يتوقف الضمير الجمعي عن الاتفاق على الحدود الفاصلة بين ما يستحق الاحترام وما يستوجب الإدانة، وحين تصبح المحسوبية طريقاً طبيعياً للصعود، والولاء الضيق معياراً للثقة، ويتحول القانون من قاعدة عامة إلى مجرد نص نحاول جميعاً الالتفاف حوله كلما سنحت لنا الفرصة.
وهنا تظهر المفارقة التي يجب أن تصفع وعينا بلا رحمة؛ لأننا لم نعد نعيش مجرد تناقضات فردية معزولة، بل أصبحنا نعيش فصاماً اجتماعياً كاملاً. نحن ندين الفساد علناً ثم نمارسه يومياً بوقاحة حين يخدم مصالحنا، نلعن الواسطة حين يستفيد منها الآخرون ثم نعتبرها انتصاراً شخصياً حين تفتح لنا باباً مغلقاً، نتحدث عن الكفاءة بينما نقيس الناس بمعيار القرابة والانتماء والولاء، ونرفع شعارات العدالة بأيدٍ تبحث في الخفاء عن أبواب الاستثناءات الخلفية. إن المأساة لم تعد في وجود هذه التناقضات، بل في أننا طوّرنا قدرة مرعبة على التعايش معها حتى فقدنا الإحساس بقبحها، وكأن الضمير الجمعي نفسه دخل مرحلة التخدير.
لقد لمح ابن خلدون خطورة هذه اللحظة منذ قرون حين تحدث عن المجتمعات التي ينهكها الترف ويصيبها الوهن الداخلي فتبدأ قيمها الصلبة بالتآكل، ثم جاء علي الوردي ليضع إصبعه على الجرح الأكثر إيلاماً حين وصف الإنسان العربي بأنه يحمل في داخله منظومتين متصارعتين؛ منظومة مثالية تعيش في الخطاب، ومنظومة عملية تحكمها المصالح والعصبيات والغنائم، فيبقى الإنسان معلقاً بين عالمين، يستهلك لغة المدنية في العلن بينما يتحرك بمنطق الغنيمة والولاء الضيق في الخفاء.
ولأن الإنسان لا يستطيع العيش طويلاً داخل فراغ هوياتي مرعب، فإنه يبدأ بالهروب بحثاً عن سقف يحتمي به، لكنه لا يتجه نحو فضاءات أوسع وأكثر نضجاً، بل ينكفئ مذعوراً نحو هويات أصغر وأضيق؛ ينسحب من الوطن إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى العشيرة، ومن العشيرة إلى العائلة، حتى يتحول الانتماء من جسر للتواصل الإنساني إلى سور عزل دفاعي ضد الآخر وضد الدولة ذاتها، وتبدأ مجتمعات كاملة بالعودة إلى ما قبل الدولة وهي تظن أنها تدافع عن نفسها.
السؤال الذي يجب أن يصفع وعينا اليوم ليس: من نحن؟
السؤال الأكثر رعباً هو:
في أي لحظة تاريخية توقفنا عن امتلاك الشجاعة للنظر إلى وجوهنا الحقيقية، وبدأنا نعيش داخل جمهورية الأقنعة، مقتنعين أننا نرى الحقيقة بينما نحن لا نرى سوى انعكاسات أوهامنا الخاصة؟
وفي الحلقة القادمة لن نتحدث عن الشعارات أو الوعي المجرد، بل سنذهب إلى الجذر المادي للأزمة لنفكك سؤالًا أكثر إزعاجاً:
لعنة الثراء المقنّع: حين تأتي الثروة بلا إنتاج وتتحول الدولة من دولة حقوق إلى جهة منح ومكارم.
لا يمثل هذا المقال إعادة عرض أو تلخيصاً مباشراً لأي بحث بعينه، بل هو قراءة تحليلية وتطويرية تستند إلى مسار تفكيكي أوسع يدمج بين الأدبيات الاجتماعية والفلسفية ومقاربات DAMI Institute البحثية الخاصة.
الباحث محمود اسماعيل
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.