حين تعجز الحجة، تستباح النساء
عن تحويل النساء إلى سلاح جنسي في معارك التواصل الاجتماعي
أ. نهلة نوريان نعنع
16.05.2026

يبدأ النقاش بسؤال أو اختلاف في الرأي على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم سرعان ما ينحرف إلى مسار مألوف: تُذكر الأم، تُستدعى الأخت، وتُقحم الزوجة في النقاش. فجأة لا يعود الجدل حول الفكرة، بل حول نساء العائلة. كأن كرامة الرجل لا تُجرح إلا عبر جسد امرأة لم تقل كلمة في النقاش أصلًا. وبمعنى آخر: الإهانة موجهة للرجل، لكن الجسد المستهدف هو جسد امرأة.

هذه ليست صدفة لغوية ولا انفعالاً عابرا. إنها بنية ثقافية راسخة. في مجتمعات عديدة، لا تزال المرأة تُختزل في كونها حاملة لـ“الشرف العائلي”. هذا المفهوم ليس بريئاً، بل هو شكل من أشكال العنف الرمزي كما صاغه بيير بورديو؛ ذلك العنف غير المرئي الذي يُمارس عبر اللغة والمعايير الاجتماعية حتى يبدو طبيعياً ومقبولاً. فعندما يهاجم شخصٌ رجلاً عبر الإساءة إلى أمه أو أخته أو زوجته، فإنه لا يستهدف المرأة بوصفها فرداً مستقلاً، بل يستثمر في الرأسمال الرمزي المرتبط بها. هو يدرك أن المجتمع أعطى جسدها قيمة تمثيلية مضاعفة، فجعلها تختصر سمعة عائلة بأكملها، ولذلك يستخدمها أداة للإذلال. المفارقة المؤلمة أن المجتمع الذي يدّعي حماية النساء هو نفسه الذي وضعهن في موقع الهدف الأكثر فعالية في معارك الإهانة.

في هذا السياق، حين تُوجَّه الإهانة إلى امرأة من عائلته، يُفهم ذلك ضمنياً كأنه فشل في أداء دوره الذكوري. وكأن رجولته كانت مشروطة بقدرته على “حماية” نسائه لا بصلابة منطقه. وهكذا تصبح الإهانة في ظاهرها موجهة للرجل، لكن الجسد الذي يُستخدم لتحقيقها هو جسد امرأة. هنا تتجلى ما يمكن تسميته بـ“الذكورية الهشة”، ذلك النمط من الرجولة الذي يشعر بالتهديد من أي مساس بهيبته الرمزية، فيرد بعنف لفظي مضاعف بدلاً من حجة أقوى.

ولا تبقى هذه الظاهرة في مستوى التحليل النظري فقط. فالنقاشات اليومية بين السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي تقدّم أمثلة واضحة على هذا السلوك. ويكفي النظر إلى المثال التالي المتداول في إحدى الصفحات السورية: سؤال يُطرح، فيأتي الرد باستحضار الأم وإقحامها في النقاش بدل مناقشة الفكرة.

ما حدث ليس استثناءً، بل نمط راسخ؛ كان يمكن الرد على السؤال ذاته، لكن إقحام الأم كشف أن الهدف لم يكن النقاش، بل ممارسة انتهاك رمزي لا يمتّ للموضوع بصلة. هذا المثال لا يمثل حالة فردية، بل يعكس آلية متكررة يُستحضر فيها جسد المرأة كلما اهتزّ موقع رجل في جدال.

ولم يقتصر الأمر على التعليق نفسه، بل حظي بتفاعل واسع، ما يكشف إلى أي حد أصبح هذا النوع من الخطاب مقبولاً أو عادياً في السجالات الرقمية.

ولا يقتصر هذا النمط على السجالات بين الرجال. ولا يقتصر الأمر على استدعاء نساء العائلة حين يكون المتجادلون رجالاً. عندما تكون المرأة هي صاحبة الرأي، لا يُناقَش طرحها بقدر ما يُهاجَم وجودها كامرأة. تتحول فوراً إلى تهمة أخلاقية، أو يُختزل خطابها في جسدها، أو تُلاحق بإيحاءات جنسية.

لا أحد يناقش الفكرة؛ يُناقَش الجسد

المرأة هنا ليست عقلاً يُحاجَج، بل جنساً يُستدعى. تُستخدم كسلاح جنسي لإهانة المختلفين فكرياً. هذا ليس انفعالًا، بل ممارسة واعية تعيد المرأة إلى موقعها “الرمزي” كلما خرجت إلى المجال العام كصاحبة رأي. وهذا ضرب مباشر لكل القيم التي يدّعي المجتمع الدفاع عنها.

من الناحية النفسية، الانزلاق إلى سبّ النساء في الجدالات يعكس آلية دفاعية بدائية: حين تعجز الحجة، يُستدعى الهجوم الشخصي، وحين يفشل العقل، يتقدم الغريزي. الإساءة للنساء ليست قوة لغوية، بل إعلان إفلاس فكري؛ انتقال من مستوى النقاش إلى مستوى الإذلال،
من الفكرة إلى الجسد،
ومن العقل إلى الغريزة.

الخطير في الأمر أن منصات التواصل، بطبيعتها السريعة والمشحونة بالتفاعل الفوري، تعزز هذا السلوك؛ فكلما كانت العبارة أكثر صدمة، زاد انتشارها، وهكذا يتحول العنف اللفظي إلى وسيلة للحصول على التفاعل.

البعد النفسي لا ينفصل عن البعد الاجتماعي. من منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن فهم هذه الظاهرة ضمن إطار “القلق الذكوري” والخوف من فقدان السيطرة. في المجتمعات التي تشهد تحولات في أدوار النساء وتعاظم حضورهن العام، يشعر بعض الرجال بتهديد غير واعٍ لمكانتهم التقليدية، فيظهر العنف اللفظي كآلية لإعادة ترسيم الحدود. المرأة هنا ليست الهدف الحقيقي، بل رمز لتحولات أعمق في موازين السلطة.

الأخطر من السلوك ذاته هو تطبيع العنف الجندري. لا أحد يمزح. هذه ليست تعليقات عابرة، بل سجالات طويلة يستمر فيها الرد والرد المضاد، وتُستحضر فيها كل نساء العائلة، وتُختزل المرأة إلى جسد أو اتهام أخلاقي. ومع التكرار يصبح الأمر اعتيادياً، كأن استباحة النساء جزء طبيعي من قواعد الاشتباك الكلامي. وهنا تتحول المرأة إلى جنس يُستدعى متى أراد الذكور تصفية حساباتهم الفكرية، إلى سلاح جنسي يُستخدم لإهانة المختلفين.

حين تُهزم الحجة، لا ينبغي أن يُستدعى جسد امرأة ليكمل المعركة. فالمجتمع الذي يجعل النساء سلاحاً في خلافاته، إنما يعلن فقره الأخلاقي قبل أن يعلن خسارته الفكرية.

كيف نكسر الحلقة؟ المشكلة لا تُحل بحظر كلمات أو حذف تعليقات فقط، بل بإعادة بناء المفاهيم: إعادة تعريف الشرف بوصفه سلوكاً فردياً لا علاقة له بجنس أحد، تفكيك التصورات التي تربط قيمة الرجل بسلوك النساء من حوله، تعزيز التربية الرقمية والنقدية، ومساءلة اجتماعية واضحة لكل خطاب يستبيح النساء.

لا يكفي أن تُرفع الشعارات دفاعاً عن النساء في الخطاب العلني، بينما يُعاد إنتاج الإهانة ذاتها في تفاصيل اللغة اليومية. فالقضية ليست في إعلان المواقف، بل في تفكيك البنية التي تجعل جسد المرأة أداة جاهزة للإذلال كلما تعثّر النقاش.
المرأة ليست امتداداً لكرامة أحد، ولا وسيطاً يُستخدم لتصفية الخلافات، بل إنسان كامل السيادة.
والمجتمع الذي يواصل استخدام النساء كسلاح رمزي في صراعاته، لا يكشف فقط عن خلل في خطابه، بل عن عجز أعمق عن إدارة الاختلاف دون عنف.

أ. نهلة نوريان نعنع
أ. نهلة نوريان نعنع باحثة في تقاطعات السياسة و الاقتصاد و التكنولوجيا

جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.