حين يضعف الاقتصاد… ماذا تفعل الدول؟
قراءة مقارنة في توظيف الدين لإدارة الأزمات

يأتي هذا المقال ضمن سلسلة “الشرعية تحت الضغط” التي ينشرها DAMI Institute
، والتي تبحث في العلاقة بين الاقتصاد، والرمزية الدينية، وإعادة إنتاج الشرعية في السياقات المعاصرة.

للكاتب د. علي مطيع عيسى

في المقالات السابقة، جرى تحليل العلاقة بين الانكشاف الاقتصادي واستدعاء الدين، مروراً بتوظيف الحدث الرمزي، وإعادة تشكيل الذاكرة، وصولاً إلى الإطار الأوسع للإسلام السياسي السلطوي. غير أن هذه القراءة، رغم تركيزها على الحالة السورية، تكتسب عمقاً أكبر حين تُوضع ضمن سياق مقارن، يتيح فهم ما إذا كانت هذه الظواهر استثنائية، أم أنها جزء من نمط أوسع في إدارة الأزمات.

فالسؤال هنا لا يتعلق بما إذا كانت الدول تستخدم الدين، بل:
كيف تستخدمه؟
ومتى تلجأ إليه؟
وما الحدود التي يصطدم بها هذا التوظيف مع مرور الوقت؟

حين تضيق الخيارات… يتوسع الخطاب الرمزي

تكشف تجارب متعددة في المنطقة عن نمط متكرر:

حين تتعرض الدولة لضغط اقتصادي حاد، ويتراجع هامش المناورة المادية، يظهر الدين بوصفه مورداً رمزياً قابلاً للتوظيف السياسي.

في إيران، على سبيل المثال، وخلال فترات العقوبات الاقتصادية، لم يُقدَّم الصمود الاقتصادي بوصفه مجرد خيار سياسي، بل أُعيد تأطيره ضمن خطاب يربط بين التحمل والصبر من جهة، والواجب العقائدي من جهة أخرى. هنا، لا تُلغى الأزمة، بل يُعاد تفسيرها، بحيث تصبح جزءاً من اختبار إيماني، لا مجرد نتيجة لسياسات اقتصادية أو ضغوط خارجية.

وفي تركيا، خاصة بعد أزمة العملة عام 2018، جرى استدعاء عناصر من الرمزية العثمانية والدينية ضمن خطاب سياسي يربط التراجع الاقتصادي بسرديات أوسع تتعلق بالهوية والسيادة. لم يكن ذلك بديلاً عن السياسات الاقتصادية، لكنه شكّل إطاراً تفسيرياً يعيد تنظيم إدراك الأزمة داخل المجتمع.

أما في مصر، فقد اتخذ التوظيف شكلاً مختلفاً، حيث استُخدم الخطاب الديني الرسمي لإعادة تعريف مفاهيم الطاعة والالتزام، ضمن سياق يبرر سياسات اقتصادية صعبة، خصوصاً تلك المرتبطة بالتقشف. في هذا النموذج، يتحول الدين إلى وسيط يمنح الشرعية لقرارات قد تواجه رفضاً اجتماعياً واسعاً في ظروف أخرى.

ما الذي يجمع هذه التجارب؟

رغم اختلاف الأنظمة السياسية، والبنى المؤسسية، والمرجعيات الأيديولوجية، فإن هذه الحالات تشترك في آلية واحدة:

حين يضعف الاقتصاد… يُستدعى الدين.

لكن هذا الاستدعاء لا يكون محايداً، بل يرتبط بوظيفة محددة:
إعادة إنتاج الشرعية دون المرور عبر المسار الاقتصادي المباشر.

فالدين هنا لا يعمل كبديل كامل عن الاقتصاد، بل كأداة تعويضية تُستخدم لاحتواء آثار الأزمة، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وحين تعجز السلطة عن تحسين الواقع… تبدأ بإعادة تفسيره.

وهذا ما يتقاطع مع ما تم تحليله في المقالات السابقة، حيث يتحول الدين إلى جزء من منظومة أوسع تشمل:

إدارة الانتباه،
إعادة تشكيل الذاكرة،
إنتاج الطاعة،
وإعادة تعريف المعنى السياسي للأزمة.
بين الخصوصية والتعميم

مع ذلك، لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في نموذج واحد.

فطريقة توظيف الدين تختلف باختلاف:

طبيعة الدولة،
درجة انفتاح المجال العام،
مستوى استقلال المؤسسات الدينية،
وطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

في بعض الحالات، يكون التوظيف مباشراً وصريحاً ضمن خطاب رسمي واضح.
وفي حالات أخرى، يكون أكثر مرونة، ويعتمد على إعادة تنشيط رموز ثقافية أو تاريخية دون إعلان مباشر.

كما أن حدود هذا التوظيف تختلف أيضاً. ففي بعض السياقات، قد ينجح في خلق تماسك مؤقت، بينما قد يؤدي في سياقات أخرى إلى نتائج عكسية، خصوصاً عندما تتسع الفجوة بين الخطاب الرمزي والواقع المعيشي.

حدود الاستراتيجية الرمزية

تكشف القراءة المقارنة أن التوظيف الرمزي للدين، رغم انتشاره، يظل أداة محدودة الفعالية على المدى الطويل.

فالخطاب الرمزي قد يؤخر الغضب… لكنه لا يستطيع إلغاء الأزمات المعيشية.

والمشكلة تبدأ حين يكتشف المجتمع أن الرموز لا تدفع الفواتير.

فالرأسمال الرمزي، مهما كان قوياً، لا يستطيع أن يحل محل الرأسمال الاقتصادي، بل يقتصر دوره غالباً على تأجيل آثار غيابه.

ومع تكرار هذا النمط، تبدأ البنية الرمزية نفسها بالتآكل، خاصة عندما يصبح استخدامها متوقعاً، أو عندما تفقد قدرتها على إقناع جمهور يعيش ضغوطاً اقتصادية متزايدة.

في هذه المرحلة، يتحول الدين من مورد للشرعية إلى مساحة مفتوحة للتأويل والتنافس، وقد يفقد موقعه كوسيط مستقر بين السلطة والمجتمع.

ما الذي تكشفه هذه المقارنة؟

ما تكشفه هذه الحالات ليس مجرد لجوء ظرفي إلى الدين، بل نمطاً أوسع في إدارة الأزمات، يقوم على الانتقال:

من معالجة الأسباب إلى إدارة آثارها،
ومن مواجهة الواقع إلى إعادة تأطيره.

وفي هذا السياق، لا يكون الدين هو المشكلة بحد ذاته، بل طريقة إدخاله في بنية الحكم، وتحويله من مرجعية مفتوحة إلى أداة وظيفية تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية محددة.

خاتمة: إلى متى تستطيع الرموز تأجيل الواقع؟

تُظهر المقارنة أن ما تم تحليله في الحالة السورية لا يمثل استثناءً كاملاً، بل جزءاً من نمط أوسع تتبعه دول مختلفة بدرجات متفاوتة.

غير أن هذه القراءة لا تهدف إلى التعميم الكامل، بقدر ما تفتح المجال لفهم أعمق للعلاقة بين الاقتصاد، والرمزية، والشرعية السياسية.

ويبقى السؤال المركزي الذي رافق هذه السلسلة قائماً:

إلى أي مدى تستطيع السلطة الاستمرار في إدارة الأزمات عبر أدوات رمزية،
في ظل واقع اقتصادي يفرض نفسه كعامل حاسم لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية؟

د. علي مطيع عيسى – سوريا

حاصل على دكتوراه في العلوم الاقتصادية ودكتوراه في العلوم السياسية

باحث في الاقتصاد السياسي الجيوسياسي، مهتم بقضايا الشرق الأوسط الجيوسياسية ومسائل الاقتصاد السياسي الثقافي

🔗 هذا المقال هو الجزء الخامس من سلسلة “الشرعية تحت الضغط”.

لقراءة الجزء الأول:
“عندما ينهار الاقتصاد… يُستدعى الدين”
https://damiinstitute.org/https-damiinstitute-org-economy-religion-legitimacy/

لقراءة الجزء الثاني:
“مصحف الشام: بين الرمزية الدينية وإدارة الانتباه”
https://damiinstitute.org/https-damiinstitute-org-religion-attention-crisis-politics/

لقراءة الجزء الثالث:
“إعادة تشكيل الذاكرة ومسرحة السياسة”
https://damiinstitute.org/https-damiinstitute-org-reshaping-memory-and-staging-politics/

لقراءة الجزء الرابع:
“الإسلام السياسي السلطوي: من إنتاج الطاعة إلى تسليع المقدّس”
https://damiinstitute.org/authoritarian-political-islam/

جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.