اللاجئ بين الإنسان والسياسة: متى تحوّل إلى ورقة؟
يأتي هذا المقال ضمن سلسلة مقالات تحليلية حول تحولات ملف اللجوء في أوروبا، يواصل DAMI Institute تفكيك العلاقة المعقدة بين التعاطف الإنساني، فشل الاندماج، وصعود المزاج القومي في السياسة الأوروبية.
لؤي نزيه الضاهر
08.05.2026

لم يكن أحد يتخيل أن الإنسان الذي كان يُستقبل على الحدود ببطانية وابتسامة، سيصبح بعد سنوات رقماً في خطاب سياسي، وورقة تُرفع في الحملات الانتخابية، وعبارة تُستخدم لإثارة الخوف أو لطلب التعاطف، بحسب الحاجة، وكأن القصة لم تعد قصة إنسان، بل قصة استخدام، وكأن الرحلة لم تعد من الحرب إلى الأمان، بل من الضحية إلى الملف.
في البداية، كان كل شيء واضحاً، أو هكذا بدا، كان هناك إنسان يهرب من الموت، ومجتمع يفتح له الباب، ولم يكن هناك مجال كبير للتفكير أو التحليل، لأن لحظة الإنقاذ لا تحتمل النقاشات الطويلة، لكن ما لم يكن واضحاً آنذاك هو أن هذه اللحظة، رغم صدقها، ليست نهاية القصة، بل بدايتها، وأن ما يأتي بعدها هو الذي يحدد إن كانت هذه التجربة ستتحول إلى نجاح مشترك، أم إلى توتر طويل لا يجد له حلاً سهلاً.
ومع مرور الوقت، بدأت القصة تتغير، ليس لأن الإنسان تغيّر فجأة، بل لأن السياسة دخلت على الخط، وبدأت تعيد صياغة كل شيء، فصار اللاجئ بالنسبة للبعض دليلاً على إنسانية الدولة، وصار بالنسبة لآخرين دليلاً على فشلها، وصار وجوده يُستخدم لتبرير سياسات، أو لرفض سياسات أخرى، وفي كلتا الحالتين، لم يعد يُنظر إليه كفرد، بل كرمز، كأداة، كشيء يمكن توظيفه.
لكن هذه ليست القصة الكاملة، لأن المشكلة لم تكن فقط في السياسة التي استخدمت الملف، بل أيضاً في الواقع الذي سمح لهذا الاستخدام أن يكون مقنعاً، لأن جزءاً من التجربة لم يسر كما كان متوقعاً، وجزءاً من اللاجئين لم ينجح في أن يثبت الصورة التي دافع عنها المجتمع في البداية، وهو ما خلق فجوة استغلها الخطاب السياسي بسهولة، لأن السياسة لا تصنع الواقع، لكنها تعرف كيف تستخدمه.
وهنا تبدأ اللحظة الأكثر حساسية، اللحظة التي يتحول فيها النقاش من سؤال إنساني إلى ساحة صراع، حيث لم يعد الحديث عن “كيف نساعد” بل عن “ماذا نفعل”، ولم يعد اللاجئ إنساناً واحداً بقصة واحدة، بل أصبح عنواناً كبيراً توضع تحته كل القصص، الناجحة والفاشلة، العادلة والمشوهة، حتى اختلطت الصورة، وفقدت التفاصيل معناها.
في هذه اللحظة، يصبح الخطر مزدوجاً، لأن الإنسان الذي لم ينجح في الاندماج، ولم يحاول أن يتكيّف مع المجتمع الذي استقبله، لا يضر نفسه فقط، بل يساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تحويل نفسه ومن يشبهه إلى مادة سهلة للاستخدام السياسي، وكأن خطأ فردي أو جماعي يتحول إلى دليل عام، وكأن كل تصرف يصبح حجة في يد من يريد أن يعمم.
لكن في المقابل، فإن تجاهل هذا الجانب، أو التظاهر بأنه غير موجود، لا يحمي أحداً، بل يزيد من قوة الخطاب الذي يستخدمه، لأن الحقيقة التي لا تُقال بصوت عاقل، تُقال لاحقاً بصوت غاضب، والفرق بين الاثنين كبير، ليس فقط في النبرة، بل في النتائج أيضاً.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون: هل يتم استغلال ملف اللاجئين سياسياً؟ لأن الجواب واضح، بل يجب أن يكون: لماذا أصبح هذا الاستغلال ممكناً أصلاً؟ ولماذا أصبح مقنعاً لجزء من المجتمع؟
الجواب، مهما كان غير مريح، لا يمكن أن يكون باتجاه واحد، لأنه كما أن السياسة استخدمت اللاجئ، فإن الواقع أيضاً أعطاها ما تستخدمه، وكما أن بعض الخطابات بالغت في تصوير المشكلة، فإن جزءاً من المشكلة كان حقيقياً، وهو ما جعل هذا الملف يتحول من قضية إنسانية واضحة إلى قضية سياسية معقدة.
في النهاية، قد لا تكون المشكلة في أن اللاجئ أصبح ورقة، بل في أنه سمح، أحياناً، أن يتحول إلى ورقة، عندما لم ينجح في أن يفرض نفسه كإنسان كامل داخل المجتمع، لا كضيف دائم، ولا كحالة استثنائية، بل كجزء من توازن يحتاج إلى جهد متبادل، لا إلى طرف واحد فقط.
والمفارقة أن الحل لا يبدأ من السياسة، بل من استعادة هذه الفكرة البسيطة التي ضاعت في الطريق: أن الإنسان، حين يُمنح فرصة جديدة، لا يكفي أن ينجو، بل عليه أيضاً أن يثبت أنه يستحق البقاء فيها، لأن المجتمع، مهما كان متسامحاً، لا يستطيع أن يحافظ على توازنه إذا شعر أن العلاقة فيه تسير في اتجاه واحد فقط.
رابط المقال الأول:
https://damiinstitute.org/https-damiinstitute-org-europe-visit-analysis-2/
رابط المقال الثاني:
https://damiinstitute.org/https-damiinstitute-org-from-empathy-to-ballot-boxes/
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.