من قرار إداري إلى انفجار في الشارع: كيف تتحول السرديات إلى عنف
تحليل معمّق لمسار تصاعدي بدأ بقرار إداري في دمشق، مروراً بتحريف مظاهرة باب توما، وصولاً إلى أحداث السقيلبية. المقال يكشف كيف يمكن للتلاعب بالسرديات أن يحوّل حادثة فردية إلى عنف جماعي، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول دور الدولة في ضبط السلاح ومنع انزلاق المجتمع نحو الفوضى.
تحليل سياسي
مركز دامي - لؤي الضاهر
3/27/20261 min lese


لم تبدأ القصة من حادثة عابرة في الشارع، بل بدأت قبل أسابيع، حين صدر قرار محافظ دمشق المتعلق بالكحول، وهو قرار لم يمر كإجراء تنظيمي بسيط، بل تحوّل سريعاً إلى رسالة قرأها المتطرفون على أنها فرصة مفتوحة للتقدم خطوة إضافية نحو فرض رؤيتهم على المجتمع. في بيئة متوترة أصلاً، لم يكن من الصعب أن يتحول هذا القرار إلى شرارة تمنح هؤلاء جرعة إضافية من الجرأة والتغول.
في هذا السياق، خرجت مظاهرة في باب توما، لم تكن دفاعاً عن الكحول كما حاول البعض تصويرها، بل كانت احتجاجاً واضحاً على التعدي على الحريات الشخصية ونمط الحياة. لكن هذه المظاهرة لم تُترك ضمن معناها الطبيعي، بل جرى تحريفها عمداً وتصويرها على أنها “مظاهرة السكرجية”، في محاولة لإفراغها من مضمونها الحقيقي وتحويلها إلى هدف سهل للتحريض والتعبئة.
هذا التحريف لم يكن تفصيلاً، بل كان نقطة التحول. فمن خلاله، بدأ التحشيد المضاد، وخرجت الدعوات للتظاهر يوم الجمعة بعد الصلاة، ليس فقط في دمشق، بل في عموم سوريا، تحت شعار دعم قرار المحافظ والسعي لتعميمه. وهنا لم يعد الأمر متعلقاً بقرار إداري أو نقاش مجتمعي، بل تحوّل إلى حالة تعبئة عامة قائمة على الاستقطاب، تُستخدم فيها العاطفة الدينية لتبرير التصعيد.
ضمن هذا المناخ المشحون، لم يكن ينقص سوى شرارة صغيرة لتنفجر الأمور، وهذه الشرارة جاءت في السقيلبية. شاب من خارج المدينة جاء وتحرش بفتاة، فتصدى له عدد من الشبان، وحدثت مشاجرة انتهت بطرده من المدينة، وهو ما يُفترض أن يكون نهاية طبيعية لحادثة فردية محدودة. لكن ما حدث بعد ذلك كشف أن المسألة لم تعد تتعلق بسلوك فرد، بل بمناخ كامل ينتظر فرصة للانفجار.
فهذا الشخص نفسه لم يكتفِ بما جرى، بل عاد وحشد مجموعات من المتطرفين، ليتم تحويل حادثة تحرش إلى ذريعة للهجوم على مدينة كاملة. فجأة، وجدنا أنفسنا أمام مشهد مختلف تماماً: تجمعات غوغائية جاءت بشكل منظم، مزودة بالسلاح، تتحرك في العلن، وتهاجم مدينة آمنة، تكسر ممتلكات المدنيين، وتطلق النار بلا تردد. والأخطر من الفعل نفسه، أن هؤلاء لم يُوقفوا، ولم يُسألوا عن السلاح الذي يحملونه، ولم تُفرض عليهم أي هيبة قانونية تردعهم.
وهنا تتكشف المفارقة الصادمة: في الوقت الذي تتحرك فيه السلطة بكل ثقلها، وتدفع بإجراءات صارمة لنزع السلاح من أطراف أخرى، تُترك هذه المجموعات لتتحرك بحرية، تحمل السلاح وتستخدمه دون رادع. وهذه ليست مجرد ازدواجية في التطبيق، بل خلل خطير في جوهر فكرة الدولة نفسها. لأن أول واجب لأي سلطة، وأبسط تعريف لهيبتها، هو حصر السلاح بيدها وحدها، ومنع وجوده في يد المدنيين، أيّاً كانت انتماءاتهم أو مبرراتهم.
ما جرى في السقيلبية ليس حادثة عابرة، بل نتيجة مباشرة لمسار بدأ بقرار، ثم جرى تحريفه، ثم استُخدم للتحريض، قبل أن ينتهي بعنف في الشارع. والأخطر أن هذا المسار يكشف أن المشكلة لم تعد في وجود متطرفين فقط، بل في البيئة التي تسمح لهم بالتحرك، وفي الإشارات التي تمنحهم شعوراً بأن ما يفعلونه ممكن… وربما مقبول.
ورغم كل ما جرى، فإن موقف السقيلبية كان لافتاً. هذه المدينة التي لم تعتد السكوت على الإهانة، اختارت هذه المرة أن لا تنجر إلى رد فعل مقابل، ليس ضعفاً، بل وعياً بخطورة اللحظة، وإدراكاً أن أي رد مماثل كان سيعني فتح الباب أمام فتنة لا يمكن السيطرة عليها.
المشكلة اليوم لم تعد في حادثة تحرش، ولا في مظاهرة، ولا حتى في قرار بحد ذاته، بل في المسار الذي ربط كل هذه الأحداث ببعضها، وحوّلها إلى سلسلة متكاملة من التصعيد. وإذا استمر هذا المسار دون كسر واضح، فإن ما حدث لن يبقى محصوراً، بل سيتحول إلى نموذج يتكرر، وتصبح فيه الغوغاء بديلاً عن القانون.
في النهاية، المسألة لم تعد تتعلق بما حدث فقط، بل بما يعنيه هذا الذي حدث. لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة، ليس وجود التطرف، بل أن يشعر المتطرف أن الطريق أمامه مفتوح… وأن السلاح ليس حكراً على الدولة، بل أداة بيد من يجرؤ على استخدامه.
مركز دامي - لؤي الضاهر
27.03.2026
Kontakt
Har du spørsmål? Ta kontakt med oss:
post@damisenter.no
Administrasjon
Forsker: Louay Al-Daher
Aeda mousa
© 2025 DAMI Senter. Alle rettigheter reservert.
Org.nr: 937270267