المسيحيون السوريون والسياسة: لماذا لم يكونوا يوماً كتلة طائفية؟
يتناول هذا المقال الدور السياسي للمسيحيين السوريين عبر التاريخ، موضحاً لماذا لم يكونوا يوماً كتلة طائفية موحدة، بل جزءاً من التيارات الوطنية والسياسية المختلفة في سوريا، انطلاقاً من تقليد يفصل بين الدين والسياسة ويؤكد مفهوم الوطن المشترك.
تحليل سياسي
مركز دامي
3/6/2026
في ظل الظروف الراهنة في سوريا، يكثر السؤال الموجّه إلى المسيحيين السوريين:
أين يقفون من السلطة الحالية؟ وما هو موقفهم من الحكومة أو المعارضة؟
هذا السؤال، على بساطته الظاهرية، يحمل في طياته افتراضاً خاطئاً. فهو يفترض أن المسيحيين في سوريا يشكلون كتلة سياسية واحدة يمكن أن تعبّر عنها قيادة دينية أو روحية. وكأن الانتماء الديني يكفي لاختزال مجتمع كامل في موقف سياسي واحد.
غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة تاريخية وثقافية راسخة: المسيحيون في سوريا لم يكونوا يوماً كتلة طائفية سياسية.
فمنذ قرون، نشأ المسيحيون في المشرق عموماً، وفي سوريا خصوصاً، ضمن تقليد فكري واجتماعي يفصل بين الدين والسياسة. وهو تقليد يجد جذوره في العبارة الإنجيلية الشهيرة:
«أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله».
هذه الفكرة لم تكن مجرد نص ديني، بل تحولت عبر الزمن إلى ثقافة اجتماعية لدى كثير من المسيحيين في المنطقة، تقوم على الفصل بين الإيمان الديني والانخراط في الحياة السياسية العامة.
لهذا السبب تحديداً، لم يكن المسيحيون السوريون يوماً على قلب سياسي واحد. فقد اختلفت توجهاتهم واختياراتهم السياسية كما يختلف أي مجتمع طبيعي: فكان فيهم القومي واليساري والليبرالي والديمقراطي، وكان فيهم المعارض والموالِ، كما كان فيهم من اختار الابتعاد عن السياسة تماماً.
وربما يقدم التاريخ السوري مثالاً رمزياً بالغ الدلالة على هذا الفهم الوطني غير الطائفي. فعندما برّرت فرنسا انتدابها على سوريا بأنها جاءت لحماية المسيحيين، وقف السياسي السوري المسيحي فارس بك الخوري موقفاً تاريخياً لافتاً. فقد صعد إلى منبر الجامع الأموي في دمشق — الذي كان في الأصل كنيسة يوحنا المعمدان — وقال كلمته الشهيرة التي أراد منها إسقاط ذريعة الحماية الطائفية. وفي لحظة رمزية معبّرة أعلن الشهادتين من على منبر المسجد، في رسالة واضحة مفادها أن المسيحيين السوريين لا يحتاجون إلى حماية استعمارية، لأنهم جزء أصيل من هذا الوطن.
هذه الحادثة لم تكن مجرد موقف شخصي، بل كانت تعبيراً عن فهم وطني عميق لدى كثير من المسيحيين السوريين، يرى في سوريا وطناً مشتركاً لا مجموعة طوائف متقابلة.
كما أن القيادات الروحية المسيحية نفسها، في معظم الأحيان، حرصت تاريخياً على الابتعاد عن العمل السياسي المباشر. فدورها الطبيعي بقي في المجال الروحي والاجتماعي: داخل الكنائس، وفي خدمة المجتمع، وفي العمل الخيري والتربوي، بعيداً عن الانخراط في الصراعات السياسية.
لهذا السبب تحديداً، لم يتجمع المسيحيون السوريون في حزب طائفي واحد، ولم يسعوا إلى تشكيل إطار سياسي يمثلهم دينياً. بل انتسبوا إلى مختلف الأحزاب والتيارات السياسية السورية: القومية والديمقراطية واليسارية وغيرها. وقد شارك كثير منهم في النضال السياسي في أصعب الظروف، وواجهوا القمع والديكتاتورية دفاعاً عن فكرة سوريا الوطن، لا سوريا المكونات الطائفية.
ومن هنا يمكن فهم ما يبدو للبعض “تشتتاً” في مواقف المسيحيين السوريين. فهذا التعدد في الحقيقة ليس ضعفاً، بل هو تعبير عن غنى سياسي ووطني. لأن الانتماء لم يكن يوماً للطائفة، بل للفكرة السياسية التي يؤمن بها الفرد.
لقد دفع كثير من المسيحيين السوريين أثماناً شخصية وسياسية بسبب خياراتهم، وتخلّى بعضهم عن مناصب وفرص، فقط لأن انتماءهم الحزبي أو الفكري لم يكن منسجماً مع السلطة الحاكمة.
لذلك، حين يُطرح السؤال اليوم: أين هم المسيحيون السوريون من هذا الحراك؟
ربما يكون الجواب أبسط مما يظن البعض.
ابحثوا عنهم في كتب التاريخ، وفي مذكرات السياسيين والمثقفين، واسألوا الآباء والأجداد الذين عاشوا تلك المراحل. ستجدون أن المسيحيين السوريين كانوا، في كثير من اللحظات المفصلية، جزءاً من محاولات تهدئة الصراعات السياسية والطائفية التي لم ينتموا إليها أصلاً.
لقد كانوا في كثير من الأحيان اليد الهادئة التي تحاول تقريب المسافات، لا الطرف الذي يزيد الانقسام.
ولهذا تحديداً، لم يكونوا يوماً كتلة طائفية.
بل كانوا، ببساطة، جزءاً من الحكاية الوطنية السورية.
لؤي نزيه الضاهر
06.03.2026
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Senter.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Senter.