اقتصاد الحرب في المواجهة الإيرانية– الأميركية– الإسرائيلية: من يعيد توزيع الكلفة؟

تحليل يتجاوز سؤال “من المنتصر” في الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ليتناول بُعداً أقل حضوراً في الخطاب الإعلامي: اقتصاد الحرب، وكيف تعيد الصراعات الحديثة توزيع الكلفة والمصالح على المستويين الإقليمي والدولي.

السياسة أو تحليلات سياسية

أ. نهلة نوريان نعنع

4/11/2026

في الأسابيع التي أعقبت اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، انشغل الخطاب العام، سياسياً وإعلامياً، بسؤال واحد: من ينتصر؟ أو حالياً، بعد الهدنة: من المنتصر؟ تتدفق التحليلات، وتتناقض الروايات، ويُعاد رسم خرائط القوة مع كل ضربة. لكن في علم العلاقات الدولية وأدبيات الحرب، يُعد هذا السؤال تبسيطاً مفرطاً. فالحروب الحديثة، خصوصاً تلك التي لا تنتهي بحسم شامل، لا تُقاس بنتيجتها العسكرية المباشرة، بل بقدرتها على إعادة توزيع القوة والموارد، وعلى خلق أنماط جديدة من المصالح. ومن هذا المنظور، لا تكون الحرب مجرد صراع على الأهداف المعلنة، بل عملية أعمق تنتج اقتصاداً خاصاً بها.
عندما بدأت هذه الحرب، كانت أهدافها المعلنة واضحة نسبياً. واشنطن تحدثت عن ضرورة كبح البرنامج النووي الإيراني ومنع تطوير الصواريخ الباليستية، مع تصاعد خطاب يشير إلى إمكانية تغيير سلوك النظام، بل وحتى تغييره. إسرائيل ربطت أمنها الاستراتيجي بضرورة تحييد القدرات الإيرانية المتقدمة. أما إيران، فدخلت المواجهة باعتبارها صراعاً على السيادة والردع والبقاء. في هذه المرحلة، كان من الممكن قراءة الحرب ضمن إطار تقليدي: صراع على قدرات عسكرية محددة، مع أهداف استراتيجية قابلة للتحديد.
لكن هذا الإطار لم يصمد طويلاً. مع اتساع الضربات لتشمل البنية التحتية، ومع التصعيد ضد دول الخليج العربي، ودخول مضيق هرمز في قلب المواجهة وصولاً إلى إغلاقه أو تعطيله فعلياً، تغيرت طبيعة الحرب. لم تعد فقط حرباً لمنع قدرة نووية أو صاروخية، بل أصبحت حرباً لإنتاج كلفة شاملة: كلفة على الاقتصاد العالمي، وعلى أسواق الطاقة، وعلى سلاسل الإمداد. وهنا يبدأ التحول الذي تهتم به أدبيات الاقتصاد السياسي للحرب: الانتقال من “هدف الحرب” إلى “اقتصاد الحرب”.

في هذه المرحلة، لم يعد النفط مجرد مورد ضمن الصراع، بل أصبح أداة مركزية لإعادة تشكيله. أي اضطراب في مضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، إذ إنه لا ينعكس فقط على أسعار الطاقة، بل يعيد ترتيب علاقات الاعتماد بين الدول. الدول المستهلكة تواجه فجأة مخاطر الإمداد، والدول المنتجة خارج منطقة الخطر تكتسب أهمية نسبية أكبر، وشركات النقل والتأمين تعيد تسعير المخاطر بصورة فورية. ما يحدث هنا ليس مجرد ارتفاع أو انخفاض في الأسعار، بل إعادة توزيع للقوة الاقتصادية عبر السوق.

هذه الظاهرة ليست جديدة في تاريخ الحروب، لكنها تتجلى هنا بوضوح خاص. تحليل Hausken (2016) يشير إلى أن الحروب تُفهم جزئياً من خلال حسابات التكلفة والمنفعة، لكن هذه الحسابات لا تتوزع بالتساوي داخل الدولة الواحدة. بمعنى آخر، قد تتحمل الدولة ككل كلفة ضخمة، بينما تحقق قطاعات محددة مكاسب ملموسة. وهذا ما تؤكده أيضاً دراسات Smith (2014) حول الكلفة الاقتصادية للنزاعات، حيث يظهر أن الخسائر الإجمالية لا تلغي وجود رابحين على مستويات جزئية.

في حالة هذه الحرب، تتجسد هذه الديناميكية في عدة مستويات مترابطة. أولها سوق الطاقة، حيث يؤدي التهديد أو الإغلاق الفعلي للممرات البحرية إلى خلق حالة من إعادة التسعير المستمر. ثانيها قطاع التسلح، الذي لا يستهلك فقط ما يُنتج، بل يولد طلباً إضافياً مع كل جولة من القتال. كل ضربة تكشف فجوة، وكل فجوة تتحول إلى مبرر لصفقات جديدة، ليس فقط للدول المتحاربة، بل لدول أخرى تعيد تقييم أمنها في ضوء ما يحدث. ثالثها الأسواق المالية، التي لا تتفاعل مع الحرب بوصفها خسارة مطلقة، بل بوصفها بيئة لإعادة توزيع رأس المال وفقاً لمستويات المخاطر.

في هذا السياق، لا يمكن إغفال ما تصفه الأدبيات بـ“المجمع الصناعي العسكري”، وهو ليس نظرية مؤامرة بقدر ما هو توصيف لبنية مصالح مترابطة بين المؤسسة العسكرية، والصناعة الدفاعية، والقرار السياسي. هذه البنية تجعل من الحرب، أو من الاستعداد الدائم لها، جزءاً من دورة اقتصادية أوسع. فكل جولة قتال لا تستهلك الموارد فقط، بل تكشف أيضاً عن فجوات جديدة في القدرات، تتحول سريعاً إلى طلب على أنظمة تسليح وتكنولوجيا أكثر تطوراً. ومع الوقت، لا يعود الإنفاق العسكري استجابة ظرفية لتهديد طارئ، بل يتحول إلى عنصر مستقر داخل الاقتصاد، تدعمه مصالح مؤسسية قادرة على الاستمرار حتى في غياب حسم عسكري واضح.

تتضح هذه الفكرة أكثر عند النظر إلى تجارب تاريخية. الحرب العالمية الثانية، رغم كلفتها البشرية الهائلة، أدت إلى بناء القاعدة الصناعية في الولايات المتحدة وأوروبا، وأسست لمرحلة نمو اقتصادي طويل. الحرب الباردة لم تكن صراعاً عسكرياً مباشراً بقدر ما كانت نظاماً دائماً من التوتر أنتج صناعات وتقنيات ومؤسسات بحثية استمرت لعقود. أما حرب العراق بعد 2003، فقد أظهرت بوضوح كيف يمكن لحرب ذات كلفة كلية ضخمة أن تولد في الوقت نفسه أرباحاً لقطاعات محددة، من شركات الأمن إلى المتعهدين العسكريين، كما وثق Stiglitz وBilmes (2008).

ما يجمع هذه الحالات هو أن الحرب لا تخلق بالضرورة ثروة جديدة بقدر ما تعيد توزيعها، لكنها في الوقت نفسه تبني قطاعات ومصالح تستمر بعد انتهاء القتال. هذا ما يُعرف في بعض الأدبيات بـ“اقتصاد الحرب الدائم”، حيث تصبح حالة التوتر نفسها مورداً اقتصادياً وسياسياً (Duncan & Coyne, 2013).

في ضوء ذلك، يمكن فهم الحرب الحالية ليس فقط كصراع على البرنامج النووي الإيراني أو على ميزان الردع، بل كعملية أوسع تعيد تشكيل بنية الاقتصاد الإقليمي والدولي. إغلاق مضيق هرمز، أو حتى جعله غير مستقر، لا يؤثر فقط على إيران أو خصومها، بل على النظام الاقتصادي العالمي بأكمله. وهذا يمنح الأطراف القادرة على التأثير في هذا الممر قوة تتجاوز حدودها التقليدية.

غير أن هذا لا يعني أن الحرب “مربحة” بالمعنى البسيط. على مستوى الدولة والمجتمع، الكلفة غالباً ما تكون مرتفعة جداً، وقد تكون مدمرة. لكن على مستوى آخر أكثر ضيقاً وأكثر تأثيراً، تتولد أرباح ومصالح تجعل استمرار التوتر أو تكراره أمراً قابلاً للاستمرار. وهنا تكمن المفارقة التي تشير إليها الأدبيات: الحرب قد تكون خسارة جماعية، لكنها تنتج أرباحاً انتقائية.

عند هذه النقطة، يتراجع سؤال المنتصر أمام سؤال أكثر دقة: من يدفع الكلفة، ومن يعيد توزيعها؟ فالحروب من هذا النوع لا تنتهي عادة بإجابة واضحة، بل بسلسلة من التوازنات المؤقتة. السؤال الأكثر دقة هو: من نجح في تحويل مسار الحرب إلى مكسب اقتصادي أو استراتيجي مستدام، ومن وجد نفسه يتحمل كلفتها دون أن يملك أدوات إعادة توجيهها؟
بهذا المعنى، لا تُقرأ هذه الحرب فقط في ساحات القتال، بل في أسواق الطاقة، وعقود التسلح، وتدفقات رأس المال، وإعادة تشكيل التحالفات. هناك، بعيداً عن الضجيج المباشر، يتحدد جزء كبير من نتيجتها الفعلية.

عن الكاتبة:
باحثة في العلاقات الدولية والسياسات العامة، متخصصة في تقاطعات الأمن الدولي، الاقتصاد السياسي، والتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي. تمتلك خبرة مهنية تمتد لنحو عقد في العمل مع جهات دولية وحكومية في مجالات التحول الرقمي والتواصل المؤسسي، إلى جانب مساهمات بحثية وتحليلية في قضايا الجيوسياسة والتكنولوجيا.

جميع الحقوق محفوظة © DAMI Senter.

لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Senter.