الفلول" في سوريا: كيف تتحول الكلمة إلى أداة سياسية"

في المراحل الانتقالية، لا تكون الكلمات حيادية، بل تتحول إلى أدوات سلطة تعيد تشكيل الواقع السياسي. يتناول هذا المقال كيف أصبح مصطلح "الفلول" في السياق السوري إطاراً تفسيرياً جاهزاً، لا يصف الأحداث بقدر ما يسبقها ويعيد إنتاجها، وما يحمله ذلك من مخاطر على النقاش العام، وعلى إمكانية بناء فضاء سياسي قائم على التعدد والاختلاف

تحليل سياسيتحليل اجتماعي

أ. نهلة نوريان نعنع

4/15/2026

في المراحل الانتقالية، لا تكون الكلمات مجرد أدوات وصف، بل تتحول إلى أدوات سلطة تعيد تشكيل الواقع السياسي. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، برزت كلمة “الفلول” بسرعة لافتة في الخطاب السوري، لتصبح واحدة من أكثر المصطلحات تداولاً في توصيف المرحلة الجديدة. في ظاهرها، تبدو الكلمة بسيطة ومباشرة، تشير إلى بقايا النظام السابق أو شبكاته. لكن الاستخدام الفعلي لها على الأرض، وفي الفضاء العام، يكشف عن تحوّل أعمق من مجرد توصيف سياسي.

خلال أشهر قليلة، خرجت الكلمة من معناها المحدد لتصبح إطاراً تفسيرياً جاهزاً. في كل حادثة عنف، في كل مجزرة، في كل توتر أمني، يظهر المصطلح بوصفه التفسير الأول، وغالباً الوحيد. لا يأتي كنتيجة تحقيق أو مسار تحليلي، بل يُطرح منذ البداية كأنه نقطة انطلاق لفهم ما حدث. بهذا المعنى، لا يختصر المصطلح الواقع فقط، بل يسبقه ويعيد تشكيله.

هذا التحول يطرح إشكالية تتجاوز دقة الاتهام من عدمها. المسألة الأساسية تكمن في وظيفة الكلمة نفسها. عندما يُستخدم توصيف واحد لتفسير ظواهر متعددة ومعقدة، فإنه يتوقف عن كونه أداة تحليل، ويتحول إلى أداة لتنظيم المعنى، تحدد مسبقاً ما يمكن قوله وما لا يمكن التفكير فيه. وهنا تحديداً، تفقد اللغة دورها في فتح النقاش، وتبدأ بلعب دور معاكس: إغلاقه.

اللافت أن هذا الاستخدام لا يقتصر على الفضاء الشعبي. هناك تقاطع واضح بين الخطاب المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي والتصريحات الرسمية أو شبه الرسمية. في حوادث بارزة، مثل الهجوم على سفارة الإمارات العربية المتحدة في دمشق، وكذلك في أعقاب بعض أعمال العنف واسعة النطاق، ظهر المصطلح ذاته في الخطاب الرسمي، مستخدماً بالصيغة نفسها تقريباً. هذا التوازي لا يبدو عرضياً، بل يعكس شكلاً من أشكال الاستقرار الخطابي، حيث تتكرر المفردات نفسها عبر مستويات مختلفة من المجال العام، ما يمنحها قوة إضافية ويكرّس حضورها.

في هذه البيئة، لا تعود “الفلول” مجرد فئة سياسية يمكن تعريفها بدقة، بل تتحول إلى تصنيف مرن، قابل للتمدد بحسب السياق. يمكن أن تشير إلى فاعلين أمنيين سابقين، أو إلى شبكات مرتبطة بالنظام، لكن يمكن أيضاً أن تُستخدم ضد أي صوت ناقد أو متحفظ. هذا التمدد هو مصدر قوة المصطلح، وفي الوقت نفسه مصدر خطورته. فهو يتيح تفسيراً سريعاً للأحداث، لكنه يفعل ذلك على حساب الدقة، وعلى حساب إمكانية التمييز بين حالات مختلفة.

تجارب أخرى في سياقات انتقالية تقدم نماذج مختلفة في التعامل مع هذه الإشكالية. في جنوب أفريقيا، بعد نهاية نظام الفصل العنصري، كان يمكن بسهولة اعتماد توصيفات عامة لإقصاء كل من ارتبط بالنظام السابق. لكن المسار الذي تم اختياره كان مختلفاً. بدلاً من التعميم، جرى التركيز على المسؤولية الفردية، من خلال آليات مثل لجنة الحقيقة والمصالحة، التي سعت إلى تحديد الأفعال بدقة وربطها بأشخاص محددين، بدلاً من إنتاج فئة واسعة ومفتوحة. هذا لا يعني أن التجربة كانت خالية من التوتر أو الخلاف، لكنها قدمت مثالاً على إمكانية تجنب الانزلاق نحو تصنيفات شاملة تختزل الواقع.

في المقابل، يشير المسار السوري الحالي إلى اتجاه مختلف. الاستخدام الواسع وغير المحدد لمصطلح “الفلول” يخلق بيئة لغوية تميل إلى التبسيط، حيث يتم اختزال التعقيد في تسمية واحدة، وإعادة إنتاج ثنائيات حادة بين “نحن” و”هم”. ويترافق ذلك مع انتشار مفردات شعبوية مثل “عووي”، التي تعمل على تقليل شأن الطرف الآخر بدلاً من مناقشة مواقفه، ما يعكس تراجعاً في مستوى النقاش العام، وتحولاً من جدل سياسي إلى تبادل توصيفات.

إذا كانت هذه الظاهرة تعكس خللاً في الخطاب العام، فإن معالجتها لا يمكن أن تُترك للتفاعل العفوي على وسائل التواصل فقط. في المراحل الانتقالية، تلعب السلطة دوراً مركزياً في تحديد معايير اللغة السياسية المقبولة. يمكن ترجمة ذلك إلى “بروتوكول خطاب عام” يستند إلى أربع قواعد أساسية:

1. استبدال التعميم بالتحديد: الامتناع عن استخدام مصطلحات مفتوحة مثل “الفلول” في البيانات الرسمية، خاصة في القضايا الأمنية، واستبدالها بتوصيفات دقيقة تستند إلى وقائع قابلة للتحقق. كلما كان الفاعل محدداً، تقلصت مساحة التأويل والتوظيف السياسي.

2. فصل المسؤولية الفردية عن الانتماء: عدم تحميل فئات واسعة مسؤولية أفعال محددة. الانتقال السياسي المستقر يقوم على محاسبة الأفراد وفق أفعالهم، لا على تصنيف جماعي قد يتحول إلى أداة إقصاء.

3. إقرار شرعية النقد العلني: توجيه رسائل واضحة بأن الاعتراض أو التساؤل لا يُصنّف تلقائياً ضمن خانة العداء. هذا يفتح المجال لنقاش حقيقي ويحدّ من استخدام التصنيفات كأداة رد.

4. اتساق الخطاب الرسمي: ضمان أن تكون التصريحات السياسية متماسكة لغوياً عبر مختلف المؤسسات، بحيث لا تُستخدم مفردات متناقضة أو مبالغ فيها حسب الظرف. الاتساق يحدّ من انتقال اللغة التصعيدية إلى المجال العام.

في هذا السياق، لا يمكن فصل اللغة عن السياسة. المصطلحات لا تعكس الواقع فقط، بل تساهم في تشكيله. وعندما تُستخدم بشكل متكرر ومن دون ضوابط واضحة، فإنها لا تكتفي بوصف الفاعلين، بل تعيد رسم حدود المجال السياسي نفسه. السؤال المطروح اليوم ليس فقط من هم “الفلول”، بل ماذا يفعل هذا المصطلح بالنقاش العام، وبإمكانية بناء مساحة سياسية تتسع للاختلاف.

من هنا، لا يقاس نجاح أي مرحلة انتقالية فقط بقدرتها على إدارة الأمن أو إعادة بناء المؤسسات، بل أيضاً بقدرتها على ضبط لغتها السياسية. لأن الكلمات، حين تتحول إلى أدوات تفسير شاملة، تفقد قدرتها على فهم الواقع، و تبدأ بإعادة تشكيله، وأحياناً تضييقه

التعريف بالكاتبة
أ. نهلة نوريان نعنع
باحثة في العلاقات الدولية والسياسات العامة، متخصصة في تقاطعات الأمن الدولي، الاقتصاد السياسي، والتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي. تمتلك خبرة مهنية تمتد لنحو عقد في العمل مع جهات دولية وحكومية في مجالات التحول الرقمي والتواصل المؤسسي، إلى جانب مساهمات بحثية وتحليلية في قضايا الجيوسياسة والتكنولوجيا.

جميع الحقوق محفوظة © DAMI Institute.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Institute.