العنف الأسري ليس ما نعتقده: الحقيقة كما يراها الأطفال
مقال تحليلي يسلّط الضوء على العنف الأسري من زاوية مختلفة: كيف يراه الأطفال؟ وكيف يؤثر غياب الأمان النفسي في تشكيل وعيهم وسلوكهم الاجتماعي داخل الأسرة.
لؤي نزيه الضاهر
1/12/20261 min read


العنف الأسري ليس ما نعتقده: الحقيقة كما يراها الأطفال
ليس كل بيت هادئ هو بيت آمن، وليس كل أب لا يضرب أطفاله هو أب لا يمارس العنف. المشكلة الأساسية تكمن في أننا ما زلنا نعرّف العنف من زاوية الكبار، بينما الأطفال يعيشونه ويدركونه بطريقة مختلفة تماماً.
في الوعي الشائع، يرتبط العنف غالباً بالفعل الجسدي المباشر، كالصراخ أو الضرب. لكن بالنسبة للطفل، لا يُختزل العنف في هذه الصور الواضحة فقط، بل قد يظهر في أشكال أكثر خفاءً، مثل التوتر المستمر داخل المنزل، أو الصمت البارد بعد خطأ بسيط، أو نظرات خيبة متكررة، أو ردود فعل غير مفهومة بالنسبة له.
الطفل لا يملك الأدوات التحليلية التي يمتلكها البالغ، لكنه يمتلك حساً عاطفياً مباشراً وعميقاً. فهو لا يسأل نفسه إن كان ما يعيشه “عنفاً” بالمعنى المفاهيمي، بل يسأل بشكل غير واعٍ: هل أنا آمن هنا؟
في دراسة ميدانية تناولت إدراك الأطفال للعنف الأسري لدى عينة من الأسر المهاجرة في النرويج، برزت نتيجة لافتة، حيث عبّر عدد من الأطفال عن شعورهم بعدم الأمان داخل المنزل، رغم عدم تعرضهم لأي شكل من أشكال العنف الجسدي. هذا المعطى يسلط الضوء على أن غياب الضرب لا يعني بالضرورة وجود بيئة آمنة.
ما يتشكل في هذه الحالات ليس خوفاً من الألم الجسدي، بل حالة أعمق من القلق وعدم اليقين. ومع استمرار هذا الشعور، يبدأ الطفل بتطوير أنماط سلوكية دفاعية، فيصبح أكثر حذراً، وأكثر حساسية تجاه التفاعل، وقد يميل إلى تفسير المواقف بشكل سلبي أو تهديدي.
تكمن خطورة هذه التجربة في أنها لا تترك آثاراً مرئية، لكنها تترك أثراً طويل الأمد في طريقة إدراك الطفل للعلاقات والبيئة من حوله. فغياب الأمان النفسي لا يخلّف كدمات، لكنه يساهم في تشكيل نمط تفكير قائم على القلق والترقب.
التربية لا تتجسد فقط في الأفعال المباشرة التي يقوم بها الوالدان، بل أيضاً في الجو العام الذي يعيشه الطفل يومياً. فقد يكون السلوك الظاهر منضبطاً، لكن البيئة مشحونة بالتوتر، فينشأ الطفل في حالة من القلق المستمر. وفي المقابل، قد تحدث أخطاء طبيعية داخل أسرة، لكن في ظل بيئة داعمة وآمنة، يخرج الطفل أكثر توازناً وقدرة على التكيف.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة السؤال الأساسي: ليس ما إذا كنا نمارس العنف مع أطفالنا، بل كيف يشعر أطفالنا أثناء وجودهم معنا.
هذا المقال مبني على خبرة ميدانية ودراسة بحثية حول إدراك الأطفال للعنف الأسري وعلاقته بالأمن النفسي والتوافق الاجتماعي لدى أسر مهاجرة في النرويج،
لؤي نزيه الضاهر
12.01.2026
Contact
Have questions? Reach out to us:
post@damisenter.no
Administration
Researcher: Louay Al-Daher
Aeda mousa
© 2025 DAMI Center. All rights reserved.
Org.nr: 937270267