لماذا يتحول الإنسان إلى كائن دفاعي؟ من الأسرة إلى المجتمع
تحليل عميق لظاهرة السلوك الدفاعي في المجتمعات، وكيف تنشأ "ثقافة التخوين الوقائي" من تجارب الطفولة داخل الأسرة وتأثيرها على الحوار والثقة بين الأفراد.
الأسرة والتنشئةتحليل اجتماعي
لؤي نزيه الضاهر
3/14/20261 min read


لماذا يتحول الإنسان إلى كائن دفاعي؟ من الأسرة إلى المجتمع
المشكلة ليست في أن بعض الناس يرفضون النقاش، بل في أنهم يدخلون أي نقاش وهم مقتنعون مسبقاً أنهم مُستهدَفون. عند هذه النقطة، لا يعود الحوار حواراً، بل يتحول إلى معركة غير معلنة، حيث يصبح الهدف الدفاع لا الفهم.
في كثير من المجتمعات، عندما يختلف شخصان، يمكن أن يدور نقاش طبيعي: طرح أفكار، ردود، وربما اتفاق أو اختلاف. لكن في بيئات أخرى، يتحول السؤال البسيط إلى اتهام، ويُفسَّر النقد كإهانة، ويُقرأ الاختلاف كنوع من الخيانة. هنا، لا تكمن المشكلة في الآراء بحد ذاتها، بل في الطريقة التي يتم بها إدراك هذه الآراء.
السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا يغضب الناس من النقاش؟ بل: لماذا يشعر بعض الناس أن النقاش هو هجوم عليهم؟
الإجابة على هذا السؤال لا تبدأ من السياسة أو الإعلام، بل من البيئة الأولى التي يتشكل فيها الإنسان: الأسرة.
الطفل الذي ينشأ في بيئة غير مستقرة نفسياً، لا يتعلم فقط كيف يتجنب الألم، بل يتعلم كيف يتوقعه. يتعلم أن الكلمات قد تحمل تهديداً، وأن ردود الفعل قد تكون غير متوقعة، وأن الخطأ قد يُقابل برد فعل أكبر من حجمه. ومع الوقت، يبدأ هذا الطفل بتطوير ما يمكن وصفه بـ “نظام إنذار داخلي” يعمل باستمرار، حتى في غياب الخطر الحقيقي.
عندما يكبر هذا الطفل، لا يدخل العلاقات الاجتماعية بهدوء، بل بحذر دائم. لا يستمع فقط، بل يراقب، ولا يناقش فقط، بل يدافع. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الدفاع من رد فعل مؤقت إلى نمط ثابت في التفكير والسلوك.
في هذا السياق، يمكن تقديم مفهوم “ثقافة التخوين الوقائي” بوصفه إطاراً تفسيرياً لهذا النمط. وهي حالة ذهنية وسلوكية يقوم فيها الفرد بتفسير نوايا الآخرين بشكل سلبي قبل فهم كلامهم، والدفاع عن نفسه قبل التعرض لأي هجوم فعلي، وبناء موقف قائم على الشك بدلاً من الثقة. بمعنى آخر، هو يخوّن قبل أن يُخوَّن.
هذه الثقافة لا تنشأ من فراغ، ولا يمكن اختزالها في ضعف الوعي أو سوء النية. بل غالباً ما تكون نتيجة تراكمات معقدة تشمل بيئات أسرية غير مستقرة، وغياب الأمان النفسي، وتجارب سابقة من الرفض أو الإهانة، إضافة إلى تأثير السياق الاجتماعي العام الذي قد يعزز هذا النمط الدفاعي.
تكمن خطورة هذا النمط في أنه لا يبقى على مستوى الفرد، بل يمتد ليشكل ثقافة عامة داخل المجتمع. وعندما يحدث ذلك، تتراجع الثقة بين الأفراد، ويتحول النقاش إلى صراع، ويُنظر إلى الاختلاف كتهديد بدلاً من كونه فرصة للفهم.
في مثل هذا المجتمع، لا يسأل الناس: “هل هذا صحيح؟”، بل يسألون: “ماذا تقصد فعلاً؟”. ولا يستمعون بهدف الفهم، بل بهدف الاستعداد للرد. وهنا تضيع أهم وظيفة للنقاش، وهي الوصول إلى فهم أعمق للواقع.
ما يبدأ داخل الأسرة كخوف أو صمت أو توتر، يمكن أن يتحول لاحقاً إلى تخوين وصراع وانقسام على مستوى المجتمع. ولهذا، فإن فهم السلوك الدفاعي في المجال العام لا يمكن أن يتم دون العودة إلى الجذور الأولى التي تشكّل فيها هذا النمط.
إن إعادة بناء الثقة داخل المجتمعات لا تبدأ من الخطابات الكبرى، بل من فهم ما يحدث داخل الأسرة، حيث تتشكل أولى تصورات الإنسان عن الأمان، والتواصل، والآخر.
لؤي نزيه الضاهر
14.03.2026
Contact
Have questions? Reach out to us:
post@damisenter.no
Administration
Researcher: Louay Al-Daher
Aeda mousa
© 2025 DAMI Center. All rights reserved.
Org.nr: 937270267