حين يصبح الحوار تهديداً: قراءة في العقلية الدفاعية السورية
لماذا يتحول أي نقاش عند بعض السوريين إلى مواجهة؟ ولماذا يُفهم السؤال أحياناً كاتهام، والنقد كهجوم؟ في هذا المقال نحاول فهم ما يمكن تسميته بـ"العقلية الدفاعية" و"ثقافة التخوين الوقائي"، وكيف تؤثر على الحوار والتفكير داخل المجتمع السوري. قراءة تحليلية صريحة تضع يدها على واحدة من أهم مشكلات النقاش اليوم.
تحليل اجتماعي
لؤي نزيه الضاهر
3/21/2026


ثقافة التخوين الوقائي في النقاش السوري: من الفكرة إلى محاكمة النية
ليست المشكلة في أن السوريين لا يحبون النقاش، بل في أن كثيراً من النقاشات بينهم لا تبدأ فعلياً. قد تُطرح جملة بسيطة، لكن الحوار ينتهي قبل أن يأخذ مساره الطبيعي، إذ تتحول الاستجابة مباشرة من التعامل مع الفكرة إلى التشكيك في النية الكامنة وراءها.
عندما يُطرح سؤال، لا يُستقبل غالباً بوصفه مدخلاً للفهم أو النقاش، بل يُقابل بسؤال مضاد: “ماذا تقصد؟”. في هذا السياق، لا يكون الهدف توضيح المعنى، بل اختبار النوايا. وهنا يحدث الانزلاق الأول في مسار الحوار، حيث ينتقل التركيز من مضمون الفكرة إلى خلفياتها المفترضة.
في كثير من البيئات، يُفهم السؤال كفرصة للنقاش والتحليل، وتبقى الفكرة في مركز الحوار، سواء تم قبولها أو رفضها. أما في العديد من النقاشات السورية، فتُسحب الفكرة سريعاً من موقعها، وتُوضع على طاولة التحقيق: من قالها؟ لماذا قالها؟ وما الذي يريد الوصول إليه؟ بهذا الشكل، يتحول النقاش من مساحة لتبادل الأفكار إلى عملية تفكيك للنوايا.
تكمن المشكلة هنا في أن النقاش لا يُبنى على ما يُقال، بل على ما يُفترض أنه يُقصد. وعندما تصبح النية هي محور التفاعل، يفقد الكلام قيمته، حتى وإن كان منطقياً أو مهماً. فالمشكلة لم تعد في الفكرة ذاتها، بل في الشك الذي يسبقها ويحيط بها.
هذا النمط يتكرر بشكل لافت، حيث يتحول السؤال إلى اتهام، والملاحظة إلى هجوم، والنقد البسيط إلى مواجهة شخصية. في هذا السياق، لا يبقى الحوار في مستوى الأفكار، بل ينتقل إلى مستوى الذات، حيث يشعر كل طرف بأنه مطالب بالدفاع عن نفسه، لا بمناقشة ما يُطرح أمامه.
يمكن توصيف هذا النمط بمفهوم “ثقافة التخوين الوقائي”، أي الدخول في أي نقاش مع افتراض مسبق بأن الطرف الآخر يحمل نية سلبية، قبل الاستماع الفعلي لما يقوله. هذا النمط لا يعكس بالضرورة سوء نية بقدر ما يعكس بنية ذهنية تشكّلت عبر تجارب وسياقات سابقة.
في كثير من الحالات، نشأ هذا الأسلوب كآلية حماية في بيئات كان فيها الحذر ضرورياً، حيث كانت الكلمة قد تُحاسَب، والسؤال قد يُساء تفسيره، وكان الصمت أحياناً أكثر أماناً من التعبير. إلا أن هذه الآلية، التي كانت مرتبطة بالبقاء، تحوّلت مع الوقت إلى نمط دائم من التفكير، انتقل من سياق الضرورة إلى سياق الحياة اليومية.
تكمن الإشكالية في أن هذا النمط لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد ليؤثر في طبيعة النقاش العام داخل المجتمع. وعندما يصبح التشكيك هو القاعدة، تتراجع الثقة، ويتحول الحوار إلى صراع، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديداً لا فرصة للفهم.
في دراسة أُجريت على عيّنات من خلفيات مختلفة في النرويج، برز اختلاف واضح في طريقة التعامل مع النقاش، حيث ركّز البعض على تحليل الفكرة ذاتها، بينما انشغل آخرون بتفسير النوايا الكامنة خلفها. ويعكس هذا الفرق فجوة أساسية بين نمطين من التفكير: أحدهما يسعى للفهم، والآخر يستعد للدفاع.
إن استمرار هذا النمط يحدّ من إمكانية تطور النقاش داخل المجتمع، إذ لا يمكن لأي فكرة أن تنضج في بيئة يُستقبل فيها النقد كإهانة، ولا يمكن لأي حوار أن يستمر إذا دخل أطرافه وهم في حالة تأهب دائم.
ربما آن الأوان لإعادة طرح السؤال بشكل مختلف: ليس كيف نرد، بل كيف نفهم قبل أن نرد. فالحوار، في جوهره، لا يقوم على الانتصار، بل على القدرة على الاستماع.
الحقيقة البسيطة التي يتم تجاهلها هي أن ليس كل سؤال هجوماً، وليس كل نقد إهانة، وليس كل اختلاف تهديداً. وأحياناً، يكون الحوار مجرد حوار. لكن عندما يدخل إليه أحد الأطراف وهو في حالة دفاع كامل، فإنه لن يسمع سوى ما يؤكد هذا الشعور.
لؤي نزيه الضاهر
21.03.2026
جميع الحقوق محفوظة © DAMI Senter.
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر هذا المقال، كلياً أو جزئياً، دون إذن خطي مسبق، مع ضرورة الإشارة إلى المصدر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تمثّل بالضرورة وجهة نظر DAMI Senter.